الآيات والروايات يرجع إلى التواتر المعنوي ، فيفيد اليقين بالمطلوب ، ولا أقلّ من الظنّ المتاخم للعلم ، وهذا القدر كاف فيما نحن بصدد إثباته وترجيحه ، كما لا يخفي على ذو البصائر الناقدة .
وبالجملة ؛ تجسّم الأعراض لمّا كان أمرا ممكنا فمع إمكانه وإخبار الصادق عنه لا وجه لإنكاره ، وتأويله من دون باعث في قوّة الإنكار .
نعم ، إذا تعارض العقل والنقل وجب تقديمه عليه وتأويله إليه ؛ لأنّه الحاكم في النقليّات عند التعارض ، وذلك كما في قوله تعالى :
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
« 1 » و :
يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
« 2 » ونحوهما ، فإنّها بظاهرها تنافي آية التنزيه ، فوجب تأويلها إليه وتنزيلها عليها ، وكذا الحكم في ساير الآيات والروايات .
ومن البيّن أنّ ما نحن بصدد إثباته ليس كذلك ، إذ لا امتناع له في نفسه في ذاته ولا لغيره ، مع ورود أخبار كثيرة صحاح وحسان وموثّقات صريحة المناطيق بصحّته ووقوعه ، مؤيّدة بظواهر كثير من الآيات ، وليس هنا معارض - لا عقليّ ولا نقليّ - يورث شكّا أو شبهة ، فوجب قبوله والإذعان به .
ولعلّه لذلك ذهب إليه المحقّقون من الفريقين ، بل صرّح به فريق من الحكماء كفيثاغورس الحكيم « 3 » - على ما نقل عنه - حيث قال : اعلم أنّك ستعارض بأفكارك وأقوالك وأفعالك ، وسيظهر من كلّ حركة فكريّة أو قوليّة أو فعليّة صور روحانيّة وجسمانيّة ، فإن كانت الحركة غضبيّة شهويّة صارت مادّة شيطان يؤذيك في حياتك ، ويحجبك عن ملاقاة النور بعد وفاتك . وإن كانت الحركة عقليّة صارت ملكا تلتذّ بمنادمته في دنياك ، وتهتدي بنوره في أخراك إلى جوار اللّه وكرامته . وأمثال هذا ممّا يدلّ على تجسّد الأعمال في كلامه كثيرة .
وقال صاحب إكمال الإكمال لشرح مسلم :
هامش
( 1 ) طه : 5 .
( 2 ) الفتح : 10 .
( 3 ) فيثاغورس من أعاظم الحكماء ، ومن الأقدمين . منه رحمه اللّه .