كونهم مغضوبا عليهم ، وهذه العبارة في مثل هذا المعنى شايع ، من أنكرها فلقد أنكر على نفسه ، لا سيّما إذا كان المؤيّد من هذا الجانب كثيرا من الأحاديث الّتي ذكرناها ، ومن شيوع النسبة إلى ثبوت الشيء دون نفيه .
وقد صحّ أنّ أمير المؤمنين - صلوات اللّه عليه وسلامه - قال للحسن البصري : إنّه سامريّ هذه الامّة ، أتراه لقد أضلّ الناس بالعجل ، فكما أنّ مطلق الإضلال يكفي هاهنا ، مطلق الضلال يكفي هناك ، وإذا عوضد ذلك بالمؤيّدات تيقّن ذلك ، أراك إذا كشفت عن نفسك غطاء العناد والغباوة ، ورفعت عن فؤادك حجب الضلال والغواية تصدق بذلك تصديقا بديهيّا لا تشكّ في ذلك بوجه ، ولكن من يضلل اللّه فما له من هاد .
تنزّلنا عن جميع ذلك ، لكن لا يتمّ مقصوده مع التمسّك بالمحمول أيضا ، فإنّ للمجوس اعتبارين :
أحدهما : نسبة بعض الأفعال - وهي الشرور - إلى غيره تعالى ، وهو أهرمن ، وهذا يناسب قول العدليّة من وجه بعيد . « 1 »
والثاني : إنّ اللّه يخلق شيئا ثمّ يتبرّأ عنه ، كما خلق أهرمن وتبرّأ عنه ، وهذا يناسب كثيرا قول الأشاعرة ، فإنّهم أيضا قالوا بهذا بعينه ، فإنّهم زعموا أنّه تعالى يخلق الشرور والقبائح ثمّ يتبرّأ عنها .
وقد تنبّه لذلك هذا الحائر البائر في « التلويح » حيث قال :
قد ورد في الحديث : « إنّ القدريّة مجوس هذه الأمّة » ، والمجوس قائلون بإلهين : أحدهما :
مبدأ الخير ، والآخر : مبدأ الشرّ ، وهذا يلائم القول بكون خالق الشرّ والقبيح غير اللّه تعالى ، وأيضا قائلون بأنّ اللّه تعالى يخلق ثمّ يتبرّأ عنه ، كخلق إبليس ؛ وهذا يلائم القول بكون اللّه خالقا للشرور والقبائح مع أنّه لا يرضاها ، فبهذين الاعتبارين ينسب القدر كلّ من الطائفتين إلى الأخرى .
هامش
( 1 ) أشار بلفظ بعيد إلى أنّ المناسبة بينهما ليس مناسبة تامّة جليّة كما زعم هؤلاء المجبّرة ، بل بعيدة ، وذلك للفرق الظاهر بينهما ، فإنّ المجوس قالوا بخلق الشرور والقبائح من الأجسام وأفعال الغير لا أفعال الخلق نفسه ، فإنّهم قالوا : إنّ الحيّات والعقارب ومعاصي العباد مخلوقة لإبليس ، وكم مسافة بينه وبين ما ذهبنا إليه . منه رحمه اللّه .