قد ورد في صحاح الأحاديث : « لعنت القدريّة على لسان سبعين نبيّا » ، والمراد بهم القائلون بنفي كون الخير والشرّ [ كلّه ] بتقدير اللّه تعالى ومشيّته ، سمّوا بذلك لمبالغتهم في نفيه ، وكثرة مدافعتهم إيّاه .
وقيل : لإثباتهم للعبد قدرة الإيجاد ، وليس بشيء ، لأنّ المناسب [ حينئذ ] القدري بضمّ القاف :
وقالت المعتزلة : القدريّة هم القائلون بأنّ الخير والشرّ كلّه من اللّه تعالى وبتقديره ومشيّته ، لأنّ الشائع نسبة الشخص إلى ما يثبته ويقول به كالجبريّة والحنفيّة والشافعيّة ، لا إلى ما ينفيه .
وردّ بأنّه صحّ عن النبي صلّى اللّه عليه وآله قوله : « القدريّة مجوس هذه الامّة » ، وقوله : « إذا قامت القيامة نادى مناد في أهل الجمع : أين خصماء اللّه ؟ فتقوم القدريّة » . ولا خفاء في أنّ المجوس هم الّذين ينسبون الخير إلى اللّه ، والشرّ إلى الشيطان ، ويسمّونهما « 1 » : يزدان ، وأهرمن ، وأنّ من لا يفوّض الأمور كلّها إلى اللّه تعالى ويعترض لبعضها فينسبه إلى نفسه يكون هو المخاصم للّه تعالى ، وأيضا من يضيف القدر إلى نفسه ويدّعي كونه الفاعل والمقدّر أولى باسم القدري ممّن يضيفه إلى ربّه . « 2 »
أقول : انظر أيّها الأخ إلى هذه العبارة واضطرابها ، أترى أنّ معبرها قد أخذ من الحقّ رشفا ، أو رشف من الصدق غرفا ؟ كلّا ثمّ كلّا أتراه كيف تفصّى عن الحقّ أوّلا بقوله :
« القدريّة مجوس هذه الأمّة » تمسّكا بالمحمول ، أم ظنّ أنّ النبي صلّى اللّه عليه وآله حدّ القدريّة أو رسمها لكي يكون المحمول متمسّكا به هنا ؟ أم قد تورّط في كنيفة وهم أنّ المحمول أيّاما كان ينبغي أن يكون ذاتيّا للموضوع ، فيظنّ أنّه لا يجوز أن يقال : « الإنسان ضاحك » إلّا إذا كان الضاحك ذاتيّا للإنسان .
وبالجملة ، فإنّه قد تمسّك في إبانة باطله وإنفاق كاسده بلفظ المجوس ، لما نسبوا بعض الأفعال إلى غيره تعالى ظنّ هذا البائر التائه أن العدليّة أيضا يشبههم في ذلك في الجملة ، فهم الأحقّاء بهذا الاسم ، ولم يعلم أنّ التشبيه بهم ليس إلّا لغاية دناءتهم في الدنيا والآخرة ،
و
هامش
( 1 ) هذا هو المشهور ، وقال ناقد المحصّل : يعنون بهما ملكا وشيطانا ، واللّه تعالى منزّه عن فعل الخير والشرّ ، واللّه أعلم . منه رحمه اللّه .
( 2 ) شرح المقاصد 4 : 268 - 267 .