الدليل الرابع :
إنّه لو كان الكفر والمعاصي بإرادة العبد وكان مراد اللّه تعالى هو الإيمان والطاعات لزم أن يكون العبد غالبا على اللّه - تعالى عن ذلك - فإنّه يقع مراد العبد ، ولا يقع مراده تعالى ؛ وهذا هو الغلبة .
وأنت خبير بأنّ دفعه أهون من نقض نسج العنكبوت ، فإنّ الغلبة إنّما يلزم لو كان إرادة اللّه تعالى الإيمان - والطاعات إرادة حتميّة ، وليس كذلك ، بل إنّما يريد اللّه تعالى أن يؤمن ويطيع باختياره ، ولو أراد جبره عليهما لجبره ، وما مثل ذلك إلّا كمثل سيّد أمر عبده بالذهاب فلم يذهب ، فإنّه لا يعدّ ذلك غلبة للعبد على المولى ، اللّهم إلّا عند هؤلاء الكوادن ، معاشر أهل العناد ، عليهم لعائن اللّه أبد الآباد .
وأمّا ما لحسه بعض ديدان فضلائهم من أنّ التفويض إنّما يكون إذا فوّض الاختيار أيضا إلى اختيار العبد ، وليس كذلك وإلّا لزم التسلسل المذكور .
فهو أبرد من عقولهم ، فإنّه لا معنى للتفويض إلّا إعطاء الاختيار ، لا أن يجعل الاختيار أيضا بالاختيار ، وأيضا التسلسل المذكور ممنوع البطلان ، كما قد قرّر آنفا .
الدليل الخامس :
إنّه قد ثبت أنّه ما من ممكن إلّا وهو مقدور للّه تعالى ، وأفعال العباد من الممكنات ، فتكون بقدرة اللّه تعالى لا بقدرة العبد ، وهو المطلوب .
أقول : ما هذا إلّا تسربل بوساوس إبليس ، وتقلنس بقلانس التضليل والتلبيس ، فإنّ كون الممكنات مقدورة للّه تعالى لا معنى له إلّا كونها جائزة الوقوع نظرا إلى قدرته تعالى ، أي ما شاء اللّه منها أن يقع فهو يقع ، لا أنّه تتعلّق القدرة بها جمع بالفعل ، فإنّه ضروريّ البطلان ، وإلّا لزم وجود ما لا يتناهى في الأزل .
وحينئذ فنقول : أفعال العباد مقدورة للّه تعالى بمعنى أنّه لو شاء تعالى أن يوقعها لوقعت بقدرته تعالى ، وهذا لا ينافي أن يفوّضها إلى غيره ، وبالجملة ، فهذا الدليل في غاية البرودة .
الدليل السادس :
إنّ العبد لو كان فاعلا بقدرته لزم أن يكون عالما بتفاصيل أفعاله ، فإنّه لا يفعل فاعل مختار إلّا ما يعلمه ، فإنّ الاختيار لا يكون إلّا للمعلوم ، وذلك بديهي ، وعلم العبد بالتفاصيل باطل ، فإنّا نكتب ولا نعلم تفاصيل الحروف والسطور ، والمسافات بينها ، وتفاصيل الأنامل والقلم والمداد .