الدليل الثاني :
إنّ اللّه تعالى عالم في الأزل بما يفعله العبد ، وكلّ ما علم اللّه تعالى وقوعه لا يجوز عدمه في الوقت الّذي علم وجوده ، وإلّا لزم جهله - تعالى عن ذلك علوّا كبيرا - فيجب وقوعه ، فلا يكون باختيار من العبد ، وهو المطلوب .
وهو مردود بوجهين :
الأوّل : النقض بأفعال اللّه - تعالى شأنه - فإنّه تعالى قد علم ما سيفعله نفسه أيضا فيلزم أن لا يكون تعالى مختارا في أفعال نفسه أيضا ، تعالى عن ذلك .
لا يقال : إنّ إيجاب الفاعل فعل نفسه باختياره وعلمه لا يسمّى جبرا ، بل هو محقّق للاختيار ، وإنّما الجبر أن يوجب أحد فعل غيره ، كما يوجب اللّه تعالى بعلمه فعل العبد .
لأنّا نقول : إنّ اللّه تعالى قد علم أنّ العبد يختار هذا الفعل ، فالمعلوم هو اختيار الفعل ووقوع الفعل بالاختيار ، لا نفس الفعل حسب ، فما يكون واجبا بواسطة علمه تعالى هو اختيار العبد ذلك الفعل ، ولا يجب من وجوب الاختيار بعلمه تعالى وجوب الفعل به كما مرّ .
الثاني : إنّ العلم حكاية للمعلوم وتابع له ، أي إنّ العبد لمّا كان بحيث يختار هذا الفعل فيما لا يزال علم اللّه تعالى وقوع ذلك الفعل ، وصدوره عن العبد فيما لم يزل ، وإذا كان العلم تابعا للمعلوم فلا وجه لأن يكون العلم موجبا للفعل ، بل يكون بالعكس ، ولا ينافي التبعيّة تقدّم التابع على المتبوع ، وكون التابع - أي العلم - أزليّا ، والمعلوم حادثا ، فإنّ التبعيّة ليس في الوجود ، إنّما هو في الماهيّة ، كمطابقة الكلّي لأفراده .
الدليل الثالث :
إنّه لو كانت قدرة العبد مؤثّرة لزم أن يكون شريكا للّه .
وأنت خبير بأنّ الشرك إنّما يلزم أن لو كانت قدرة العبد كاملة في التأثير كقدرة اللّه - عزّ وجلّ - بحيث لا يقدر غيره أن يجبره ، وهو ظاهر الفساد ، إذ لا شكّ في أنّ اللّه تعالى قادر على جبر العبد على خلاف مراده ، وما مثل العبيد إلى اللّه تعالى إلّا كمثل عبد قد أجازه مولاه ، وجبره في أفعاله وعقوده وإيقاعاته ، فإنّه لا يمكن أن يقال : لا يبقى بين السيّد والعبد حينئذ فرق في القدرة ؛ فإنّ قدرة العبد متزلزلة ، يجوز لمولاه الجبر ، ونفي القدرة والاختيار عنه .