الفصل الرابع فيما دلّ على تصوير القرآن في النشأة الآخرة بصور حسنة
وهذا ممّا يشيّد أركان الفصول السابقة ، وهو من أعدل الفصول الأربعة وأشرفها وأدلّها على المطلوب .
اعلم أنّ القرآن اسم للكتاب المنزل على نبيّنا محمّد صلّى اللّه عليه وآله كما أنّ التوراة والإنجيل والزبور أسماء للكتب المنزلة على موسى وعيسى وداود عليهم السّلام
قال الجاحظ : سمّى اللّه كتابه اسما مخالفا لما سمّى العرب كلامهم على الجمل والتفصيل ، سمّى جملته قرآنا كما سمّوا ديوانا ، وبعضه سورة كقصيدة ، وبعضها آية كالبيت ، وآخرها فاصلة كقافية .
ثمّ اعلم أنّ لكلّ شيء صورة ومعنى ، وجسدا وروحا ؛ جوهرا كان أم عرضا . فجسد القرآن ما به يتمثّل في النشأة الأخرى تارة على صورة النبيّين والمرسلين ، وأخرى على صورة الشابّ والملائكة المقرّبين ؛ وروحه ما يبقى ذلك الجسد ، وبه يتحرّك ويتكلّم عند ربّه - جلّ وعزّ - فيشفع لقاريه وحافظيه .
وقد أثبت جماعة من العلماء للحروف أرواحا كما سبق ، وتفصيل هذه الجملة أنّ القرآن - وهو هذه النقوش الدالّة على الحروف والألفاظ الدالّة على المعاني الحقّة والمعارف الحقيقيّة - من الممكنات المخلوقة ، وله ذات وصفات وأفعال هي آثاره المطلوبة منه المترتّبة على وجوده ؛ ولذاته وجود في علم اللّه تعالى ، وفي اللوح المحفوظ ، وفي لسان الملك ، وصدر النبيّ وأوصيائه عليهم السّلام وفي صدور المؤمنين ، وفي القرطاس ونحوه ، وهو أدنى مراتب وجوده وظهوره ؛ ولوجوده علل وأسباب مادّيّة ومجرّدة ، وله فضل وشرف وحرمة ، وأيّة حرمة ! حتّى ورد : « إنّ حرمة اللّه على القرآن كحرمة الوالد على ولده » وله فرض طاعة ، وهو حجة اللّه على خلقه ؛ لأنّه إحدى الخليفتين المختلفتين فيهم ، فطاعته طاعة اللّه ، ومعصيته معصية اللّه ، والاعتصام به الاعتصام به ،
وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا