تَفَرَّقُوا
« 1 » وهو وإن كان في هذه النشأة الدنياويّة في كسوة الأعراض وزيّها إلّا أنّه سيصير في النشأة الأخرى جوهرا جسمانيّا عالما قادرا مريدا سميعا بصيرا ، تارة على صورة النبيّين والمرسلين ، وأخرى على صورة الشابّ والملائكة المقرّبين ؛ فيشفع لقاريه وحافظيه عند ربّه - جلّ وعزّ - فيقول : « يا ربّ ! هذا فلان قد أظمأت نهاره وأسهرت ليله ، فشفّعني فيه » فيجاب بذلك ويقال له : « أدخلهم الجنّة على منازلهم »
وإنكار بعض المعتزلة أمثال ذلك ممّا لا يعبأ به ولا بقائله ، كإنكار هم عذاب القبر بمثل ذلك .
وإذا جاز أن يجعل اللّه الحسنات بل الفضيلة من الآراء والاعتقادات أجساما نورانيّة ، والسيّئات بل الرذائل من الأخلاق والملكات أجساما ظلمانيّة ، بل وإذا جاز أن يجعل الصورة في هذه النشأة أسدا مفترسا فلم لا يجوز أن يجعل هذه الصور في النشأة الآخرة على صورة إنسان أو ملك ؟ فيكون لقاريه في قبره قرينا ، وفي القيامة شافعا ، وعلى الصراط دليلا . وهل يكون ذلك من قدرة اللّه القادر ممتنعا أو بعيدا مع إمكانه كما سبق ، وذهب إليه الحكماء والمتكلّمون من الفريقين ، ألا يرى أنّه يرد على رسول اللّه حوضه ، ويقدم عليه بعد قدومه على اللّه قبل قدوم أهل بيته وأمّته ، وستأتي على ذلك كلّه أخبار مفصّلة إن شاء اللّه العزيز .
في الاحتجاج عن صفوان بن يحيى ، قال : قال أبو الحسن الرضا عليه السّلام لأبي قرة صاحب شبرمة : التوراة والإنجيل والزبور والفرقان وكلّ كتاب أنزل كان كلام اللّه ، أنزله للعالمين نورا وهدى ، وهي كلّها محدثة ، وهي غير اللّه ، حيث يقول :
أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً
« 2 » وقال :
ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ
« 3 » وإنّ اللّه أحدث الكتب كلّها الّتي أنزلها » .
فقال أبو قرة : فهل تفنى ؟
هامش
( 1 ) آل عمران : 103 .
( 2 ) طه : 113 .
( 3 ) الأنبياء : 2 .