فالصور والأعراض المشاهدة في عالم المثال في النوم واليقظة أشباح محضة ، والتذاذنا في النوم بمآكل ومشارب ذوات طعم ولون ورائحة ليس لانطباع هذه الأعراض من تلك الأشباح ، بل لتمثّلها فينا على سبيل التخيّل ؛ فكلّ ما في هذا العالم المثالي جواهر بسيطة ، لقيامها بذاتها وتجرّدها عن الموادّ .
والفرق بينها وبين المثل الأفلاطونيّة أنّها نوريّة عقليّة ثابتة في عالم النور العقليّ ، وهذه مثل معلّقة في عالم الأشباح المجرّدة منها ظلمانيّة يتعذّب بها الأشقياء ؛ وهي صور زرق سود بشعة مكروهة تتألّم كلّ نفس بمشاهدتها ؛ ومنها مستنيرة يتنعّم بها السعداء ؛ وهي صور حسنة بهية بيض مرد كأمثال اللؤلؤ المكنون ؛ كذا قيل .
وبه يندفع ما قيل : قد وعدنا الشارع وتوعّدنا بأحوال البرزخ وتجسّد الأعمال ، فهذه الصور إن كان يتصوّرها الجوهر الروحاني مجرّدا عن علائق الأجسام فكيف يحصل من مثله هذا التصوّر المحدود مع كونه مجرّدا ؟ وإن كان موضوع تخلّيه جسمه فمعلوم أنّ موضوع التخيّل هو الدماغ ويختلّ بأدنى مرض ، فكيف بحالة الموت الّتي هي فساد بالكلّيّة ؟
وذلك أنّه إن أراد التجرّد عن الأجسام الحسّيّة والمثاليّة فممنوع ؛ لأنّه لم يتجرّد عن المثاليّة ؛ وإن أراد التجرّد عن الحسّيّة فقط فمسلّم ولا استبعاد فيه .
ثمّ قد عرفت أنّ تجسيم العرض أمر ممكن لا يلزم من فرض وقوعه محال ؛ وأنّ القدرة صالحة لإيجاد كلّ ممكن ؛ فلا حاجة في ذلك إلى القول بأنّ سنخ الشيء أمر مغاير لصورته - كما ذهب إليه المتصوّفة - بل على تقدير عدم المغايرة بينهما أيضا لا مانع منه عقلا ، ولذا ذهب إليه أكثر من محقّقي المتكلّمين وأهل الحكمة والتفسير .
هذا ، وفي الكافي عن عليّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن أبي أيّوب ، عن محمّد بن مسلم - فالسند صحيح على ما حقّقناه في بعض رسائلنا ، وحسن على المشهور - عن أحدهما عليهما السّلام قال : ما في الميزان شيء أثقل من الصلاة على محمّد وآل محمّد ، وإنّ الرجل لتوضع أعماله في الميزان فتميل به « 1 » ، فيخرج صلّى اللّه عليه وآله الصلاة عليه ، فيضعها في ميزانه ،
هامش
( 1 ) الباء للمصاحبة ، أي فتميل الأعمال بمصاحبة الميزان إلى الرفع ، لخفّتها . منه رحمه اللّه .