يعقلون ، فإذا مات وانقطع التعلّق بالكلّيّة يظهر أخلاقه الطيّبة وملكاته السيّئة في الصور المناسبة لها ، فإن كان مؤمنا عارفا عالما محبّا للّه عاملا للّه يرى نفسه نورانيّا ، بل نورا محضا ، وأخلاقه أنوارا ، وأعماله أنوارا ، وفي عالم البرزخ هو داخل في الجنّة الّتي أعدّ اللّه لعباده الصالحين ، وله من النعم ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، وكان له ما قال اللّه تعالى :
وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
« 1 »
بل في هذه الدنيا كما قال تعالى :
أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
« 2 » .
والآيات والأخبار غير مختصّين بالنشأة الآخرة وإن كان في تلك النشأة أتمّ وأكمل .
ثمّ قال قدّس سرّه :
فإذا قصر في الصلاة والصوم والزكاة والخمس والحجّ وغيرها ، ولم تحصل للنفس الكمالات الممكنة من أفعالها ، يحصل لها غمّ عظيم ، وألم جسيم ، يفوق على كلّ الآلام الجسمانيّة ، ويحصل لها بسبب الملكات الرديّة ما يتصوّر بصور العقارب والحيّات والسباع وسائر المؤذيات المهلكات ، وتلدغها وتفرسها إلى المحشر . « 3 »
أقول : ولعلّ ذلك في عالم الخيال والمثال الّذي سمّاه المتشرّعون برزخا ، وأهل المعقول عالم الأشباح المجرّدة ، فإنّ فيه جميع الأشكال والصور والمقادير والأجسام وما يتعلّق بها من الحركات والسكنات والأوضاع والهيئات وغير ذلك قائمة بذاتها ، معلّقة لا في مكان ومحلّ ؛ وكذا جميع ما يراه النائم في المنام من الخيال والصور والأرضين والسماوات ، والأصوات العظيمة ، والأشخاص الإنسانيّة والحيوانيّة والنباتيّة والمعدنيّة والعنصريّة والفلكيّة والكوكبيّة وغيرها مثل قائمة بذاتها لا في محلّ ومكان ؛ وكذا الروائح وغيرها من الأعراض كالألوان والطعوم وأمثال ذلك مثل قائمة لا في محلّ ومادّة في ذلك العالم ، وإن كانت عندنا لا تقوم إلّا بمادّة ؛ لعدم المادّة هناك .
هامش
( 1 ) آل عمران : 170 - 169 .
( 2 ) يونس : 62 .
( 3 ) روضة المتّقين 1 : 348 - 347 .