لأنّها ليست أجساما ، وأنّ اللّه تعالى لا حاجة له إلى وزن شيء ، لعدم خفائه عليه ؛ ولا منافاة بينه وبين ما دلّ على أنّ الأعمال والاعتقادات ستظهر في النشأة الآخرة إمّا بصورة نعيم الجنّة وحورها وقصورها ، أو بصورة عذاب النار وعقاربها وحيّاتها ونحو ذلك ، فتدبّر .
وأجاب شارح الجديد للتجريد عمّا أنكره المعتزلة بأنّه يوزن صحايف الأعمال ، أو بأنّه تعالى يجعل الحسنات أجساما نورانيّة والسيّئات أجساما ظلمانيّة .
وإلى هذا أشار شيخنا قدّس سرّه بقوله :
قد اختلف أهل الاسلام في أنّ وزن الأعمال الوارد في الكتاب والسنّة هل هو كناية عن العدل والإنصاف والتسوية ، أو المراد به الوزن الحقيقي ؟ فبعضهم على الأوّل ؛ لأنّ الأعراض لا يعقل وزنها ، وجمهورهم على الثاني ؛ للوصف بالخفّة والثقل في القرآن والحديث والموزون صحائف الأعمال ، أو الأعمال نفسها بعد تجسيمها في تلك النشأة . « 1 » والحقّ أنّ الموزون نفس الأعمال لا صحائفها . « 2 »
أقول : قول صاحب التجريد قدّس سرّه : و « ساير السمعيّات من الميزان والصراط والحساب وتطاير الكتب ممكنة ، دلّ السمع على ثبوتها » « 3 » صريح بالإضافة إلى اعتقاده ثبوت الميزان بالمعنى المعروف ، لكنّه مجمل بالإضافة إلى الموزون ، فإنّه يمكن حمله على القول بوزن صحايف الأعمال ، والقول بوزن الأعمال نفسها بعد تجسيمها .
والّذي يدلّ على أنّ الموزون هو صحائفها ما ورد في طرق العامّة : « إنّ الرجل يؤتى به إلى الميزان ، فينشر عليه تسعة وتسعون سجلّا « 4 » كلّ سجلّ مدّ البصر ، فيخرج له بطاقة فيها كلمتا الشهادة ، فتوضع السجلّات في كفّة والبطاقة في كفّة ، فطاشت السجلّات ، وثقلت البطاقة » . كذا في تفسير البيضاوي « 5 » ، ولعلّ الشيخ قدّس سرّه لم يعتبره ، لوروده في طريقهم .
هامش
( 1 ) الأربعون حديثا : 189 .
( 2 ) الأربعون حديثا : 191 .
( 3 ) راجع : كشف المراد : 425 .
( 4 ) السجلّ بالكسر والتشديد : الكتاب الكبير . والبطاقة ككتابة : الرقعة الصغيرة . منه رحمه اللّه .
( 5 ) تفسير البيضاوي 1 : 332 .