ذهب أكثر المفسّرين إلى أنّه ميزان له كفّتان ، ولسان وشفتان ، عملا على الحقيقة ، لإمكانها . وقد ورد في الحديث تفسيره بذلك ، وأنكره بعض المعتزلة ذهابا إلى أنّ الأعمال أعراض لا يمكن وزنها ، فكيف إذا زالت وتلاشت ؟ بل المراد به العدل الثابت في كلّ شيء .
أقول : ويدلّ على ما ذهبت إليه المعتزلة صريحا ما في كتاب الاحتجاج في احتجاج أبي عبد اللّه الصادق عليه السّلام حيث قال السائل : أوليس توزن الأعمال ؟
قال : « لا ، لأنّ الأعمال ليست أجساما وإنّما هي صفة ما عملوا ، وإنّما يحتاج إلى وزن الشيء من جهل عدد الأشياء ، ولا يعرف ثقلها وخفّتها ، وإنّ اللّه لا يخفي عليه شيء » .
قال : فما معنى الميزان ؟
قال : العدل . « 1 »
قال : فما معناه في كتابه :
فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ
« 2 »
قال : « فمن رجّح عمله » « 3 »
وأنت خبير بأنّه يلزم منها أن لا يكون في القيامة حساب ولا كتاب ، بل يلزم منها أن لا يكون لوجود الملكين الكاتبين لأعمال العباد حسناتها وسيّئاتها ثمرة ، وذلك انّ اللّه عالم السرّ وأخفى ، وإنّما يحتاج إلى الحساب والكتاب وضبط أعمال العباد بإرسال الكاتبين من جهل الأشياء ولم يعرف مقاديرها ولا أعدادها ، واللّه لا يخفى عليه شيء .
وبالجملة ، العلّة مشتركة ، فما يجاب به عن هذا يجاب به عن ذلك .
ومع ذلك يمكن أن يجاب عنها بأنّها غير معلومة الصحّة ، وعلى تقدير صحّتها غير صالحة لمعارضة ما دلّت من الآيات والروايات على وزن الأعمال ؛ لكثرتها وصحّتها .
ومع قطع النظر عن ذلك لا ينافي ما نحن بصدده ؛ لأنّها لا تدلّ على نفي جواز تجسيم الأعمال والاعتقادات بشيء من الدلالات ، بل غاية ما دلّت عليه أنّ الأعمال لا توزن ،
هامش
( 1 ) ومنهم من أوّل الميزان بالإدراك ، قال : فميزان الألوان البصر ، والأصوات السمع ، والطعوم الذوق ، وكذا سائر الحواس ، وميزان المعقولات العقل . منه رحمه اللّه .
( 2 ) المؤمنون : 102 .
( 3 ) الاحتجاج 2 : 247 .