وهو ظاهر في تجسّم الأعمال ؛ والحمل على الاستعارة التمثيليّة الحاصلة من تشبيه هيئة معادلة ثواب التوحيد بما سواه من الحسنات ورجحانه عليه بالهيئة الحاصلة من موازنة جسم ثقيل بما عداه ورجحانه عليه بعيد .
وفيه تنبيه على كون الأفلاك وساكنيهنّ من الملائكة أجساما ثقيلة ذوات مقادير ، إذ المقام يقتضي ذكر ماله مقدار وثقل ، فدلّ على بطلان القول بأنّ الفلك لا ثقل له كما عليه الفلاسفة .
هذا ، وفي الكافي - في باب الصبر - عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : إذا دخل المؤمن في قبره كانت الصلاة عن يمينه ، والزكاة عن يساره ، والبرّ مطلّ عليه ، ويتنحّى الصبر ناحية ، فإذا دخل عليه الملكان اللّذان يليان مساءلته قال الصبر للصلاة والزكاة والبرّ : دونكم صاحبكم ، فإن عجزتم عنه فأنا دونه . « 1 »
قال الفاضل مولانا محمّد صالح المازندراني - قدّس رمسه - في شرح هذا الحديث :
دلّ ظاهره على تجسّم الأعمال والأخلاق ، والروايات الدالّة عليه وعلى تجسّم الاعتقادات أيضا كثيرة ، فلا ينبغي إنكاره وحمله على التمثيل ولسان الحال . « 2 »
أقول : لا بعد بالنظر إلى قدرة اللّه القادر أن يجعل للصلاة والزكاة والبرّ والصبر صورا وأجسادا مثالية تتكلّم بها ، وتترتّب عليها أحكامها ، وتتنشّأ منها آثارها ؛ وعليه فلا حاجة إلى القول بأنّ كلّ من تكمل فيه صفة أو حالة فكأنّه جسد لتلك الصفة وشخص له ، فأمير المؤمنين عليه السّلام جسد للصلاة والزكاة وغيرهما ، ولكمالها فيه تطلق عليه هذه الأسامى ؛ فإنّه يشتمل من التكلّف والبعد على ما لا يخفى .
وفي شرح الجديد للتجريد بعد نقل قوله تعالى :
وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ
« 3 » وقوله :
فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَهُوَ فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُمُّهُ هاوِيَةٌ
« 4 »
هامش
( 1 ) الكافي 2 : 90 .
( 2 ) شرح أصول الكافي 8 : 283 .
( 3 ) الأنبياء : 47 .
( 4 ) القارعة : 9 - 6 .