هو ظاهر هذه الأخبار ؛ وقد سبق أنّ ذلك أمر ممكن ، وأنّ نسبة الممكنات بحذافيرها والكائنات بأسرها إلى قدرته - بهرت قدرته ، وجلّت عظمته - نسبة واحدة ؛ ولذا قال بعض أهل العرفان :
فيها دلالة على تجسّم الأعمال في النشأة الأخرويّة . وقد ورد في بعض الأخبار تجسّم الاعتقادات أيضا
فالأعمال الصالحة والاعتقادات الصحيحة تظهر صورا نورانيّة مستحسنة موجبة لصاحبها كمال السرور والابتهاج ، والأعمال السيّئة والاعتقادات الباطلة تظهر صورا ظلمانيّة مستقبحة توجب غاية الحزن والتألّم ؛ كما قاله جماعة من المفسّرين عند قوله تعالى :
يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً
. « 1 »
ويرشد إليه قوله تعالى :
يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ
« 2 » ومن جعل التقدير : « ليرو جزاء أعمالهم » ولم يرجع ضمير « يره » إلى العمل فقد أبعد . « 3 »
أقول : هذا التقدير منقول عن ابن عبّاس « 4 » ؛ وقيل : المراد بالرؤية هنا رؤية القلب ، وهي المعرفة بالأعمال عند تلك الحال أي حال رجوع الناس عن الموقف بعد العرض أشتاتا متفرّقين ، أهل الإيمان على حدة ، وأهل كلّ دين على حدة ؛ والمعنى أنّهم يرجعون عن الموقف فرقا لينزلوا منازلهم من الجنّة والنار .
ثمّ أقول : ولكن يؤيّد هذا التقدير ظاهر كلام لعليّ بن الحسين - صلوات اللّه عليهما - في روضة الكافي في الوعظ والزهد في الدنيا ، يقول عليه السّلام فيه : واعلم يا ابن آدم ! أنّ من وراء هذا أعظم وأفظع وأوجع للقلوب يوم القيامة . . . يوم لا تقال فيه عثرة ، ولا يؤخذ من أحد فدية ، ولا تقبل من أحد معذرة ، ولا لأحد فيه مستقبل توبة ليس إلّا الجزاء بالإحسان والجزاء بالسيّئات ، فمن كان من المؤمنين عمل في هذه الدنيا مثقال ذرّة من خير وجده ، ومن
هامش
( 1 ) آل عمران : 30 .
( 2 ) الزلزال : 8 - 6 .
( 3 ) الأربعون حديثا للشيخ البهائي : 402 .
( 4 ) مجمع البيان 10 : 799 انتشارات ناصر خسرو .