وإذا ثبت امكان [ اكراه ] « 1 » الزنا فلا فرق من جهة العقل بينه وبين شرب الخمر ، فكما جاز أن يتغير قبح شرب الخمر عند الاكراه بالسمع جاز مثل ذلك في الزنا ، لكن عامة الفقهاء وجلّهم يذكرون أن الإباحة لا تحصل في الزنا عند الاكراه على وجه ولا سبب . وإذا ثبت ذلك خالفنا بينه وبين شرب الخمر ، وجعلنا قبحه مما لا يتغير بالاكراه .
وأما الاكراه على [ ما ] « 2 » يفعله المكره بنفسه من المضار فيرجع فيه إلى الزيادة والنقصان والمقابلة ، لأن من أخيف بالضرر العظيم الواصل إليه إن لم يضرّ بنفسه ضررا يسيرا يجب عليه فعل ذلك الضرر بنفسه ليدفع الضرر الأعظم ، ولهذا لو أكره على قتل نفسه لم يكن له أن يفعل ذلك ، لأنه نهاية ما يخافه ، ولأنه انما يتحمل المضرة في نفسه لدفع مضرة هي أعظم منها وليس هذا في قتل نفسه .
فأما الاكراه على المقام في بلد فله حكم ما لا ينفك ذلك المقام منه من الأفعال ، فإن كان لا ينفك مع المقام من أمر يجوز أن يفعله عند الاكراه جاز لدفع الاكراه المقام ، ويصير كأنه اكره على ذلك الفعل . ومثاله : أن يكره على المقام ببلد يحتاج فيه إلى تناول ميتة أو ما أشبهها مما يحلّ بالاكراه ، فان أكره على مقام بحيث لا ينفك بما لا يحلّ أن يفعل مع الاكراه ، فليس له أن يقيم ، مثل قتل النفوس وما جرى مجراها .
وقد اختلف الناس في جواز المقام ببلد يظهر فيه الكفر ولا يقع التمكين من انكاره . وقال قوم : لا يجوز المقام فيه على كل حال ويجب المفارقة ، وقال آخرون : إذا لم يكن هذا المقيم خائفا - وهو أن يوجد باظهار الكفر - جاز له المقام إذا أظهره غيره ولم يتمكن هو من انكاره .
هامش
( 1 ) الزيادة من م .
( 2 ) الزيادة منا لاستقامة الكلام .