تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الذخيرة في علم الكلام — صفحة 562

مساهمون:

ص٥٦٢
والثالث لا ينتقل بالاكراه عن التحريم بل يكون مع الاكراه محرما كما كان قبل الاكراه . ومثال الأول : أن يكره على أكل الميتة ولحم الخنزير وشرب النجاسة وجميع ما يبيحه الاضطرار ، فإنه عند الاكراه يلزمه ذلك كما يلزمه عند الضرورة وكما يلزمه دفع المضار عن نفسه . وليس يمتنع أن لا يبلغ هذا الاكراه إلى حدّ الالجاء ، فيكون الفعل المكره عليه واجبا ، لأن الميتة مما تعافه النفس وتنفر منها ، فيزول بذلك الالجاء ويبقى الوجوب . وأما الضرب الثاني - وهو ما ينتقل بالاكراه عن التحريم إلى الإباحة - فمثاله : اظهار كلمة الكفر ، لأنه يحسن من اظهاره مع الاكراه ما كان غير حسن وغير مرغّب به في الامساك عن اظهارها ، لأن فيه اعزازا للدين وتقوية له ، فصار اظهار كلمة الكفر هاهنا من باب الرخصة لا من باب الوجوب . وقد حمل قوم على هذا الموضع اظهار كلمة الحق عند السلطان الجائر ، وجعلوا ذلك أفضل عند الخوف على النفس مثل اظهار كلمة الكفر . فإذا قيل : كيف يرغب في ترك اظهار كلمة الكفر لاعزاز الدين بأن يصبر على القتل وهو ظلم وقبيح ، وقد يتعلق بصبره على القتل وامتناعه من اظهار كلمة الكفر مفسدة ، فيجب أن يقبح منه ترك الاظهار ويلحق بالوجوب لا الرخصة . قلنا : إذا ثبت بالاجماع أنه مرغّب في ترك اظهار كلمة الكفر وان ذلك الأفضل والأولى به ، قطعنا بذلك على أنه لا مفسدة فيه ، لأن اللّه تعالى لا يرغب فيما فيه مفسدة . فإذا قيل : كيف لا يكون مفسدة والقتل القبيح واقع عنده ولولاه لم يقع ؟
الذخيرة في علم الكلام — صفحة 562 | الشريف المرتضى