ولا يجوز أن يكون قبح المنكر هو وجه وجوب النهي عنه ، لأن ذلك يوجب على اللّه تعالى أن يجدّد النهي عن المنكر في كل حال ، لأنه إذا وجب علينا نهيهم عن المنكر مع علمهم بقبح ما فعلوه ، وجب عليه تعالى مثل ذلك ، لأن وجه الوجوب ثابت في الأمرين .
وأيضا كان يجب أن يمنع تعالى من القبح لأجل قبحه ، ولا يلزم على ذلك إذا قلنا إنه تعالى قد تعبّدنا بأن نمنع من المنكر بالنهي . والمنع أن يمنع تعالى عنه بالفعل ، لأنا نجعل وجه التعبّد لنا بالمنع هو المصلحة ، وهي غير ثابتة في منعه ، فجاز اختلاف الحالين . وليس كذلك ما قالوه .
وأيضا فكان يجب علينا أن نجدّد النهي في كل حال ، لأنه لو وجب النهي الأول مع علم مرتكب القبيح بقبحه لوجب في الثاني في كل حال .
وأيضا فكان يجب أن لا يسقط علينا الانكار بانكار غيرنا ، لأن وجه الوجوب ثابت في الجميع .
وأيضا فان الانكار كان يجب علينا وان أدى إلى المضرة العظيمة في النفس ، لأن وجه الوجوب فهو قبح الفعل قائم مع المضرة .
وليس يجري ذلك مجرى ما يتعلق وجه وجوبه بالمنافع ودفع المضار في اعتبار المقابلة وسقوط الوجوب بزيادة المضار ، لأن انكار المنكر على الفرض انما وجب بمجرد القبح من غير تعلق بمنفعة ولا دفع مضرة .
وأيضا فقد كان يجب أن لا يحسن ورود الشرع باقرار « 1 » أهل الفرية « 2 » على القبح ، لأن ثبوت وجه الانكار لا يحسن بورود الشرع بالاقرار .
وبكل هذه الوجوه يسقط قول من جعل وجه الوجوب اظهار الكراهية أو اظهار كونه غير مريد .
هامش
( 1 ) في ه « باقدار » .
( 2 ) في ه « أهل الدية » .