تخطي إلى المحتوى الرئيسي

دلالة الحائرين — صفحة 576

مساهمون:

ص٥٧٦
وكماله الأخير هو ان يصير ناطقا بالفعل ، اعني ان يكون له عقل بالفعل ، وذلك بان يعلم كل ما في طاقة الانسان ان يعلمه من جميع الموجودات كلها بحسب كماله الأخير . وبيّن هو ان هذا الكمال الأخير ، ليس فيه أعمال ولا اخلاق ، وانما هو آراء فقط ، قد ودّى إليها النظر ، وأوجبها البحث . وبين هو أيضا ان هذا الكمال الأخير الشريف لا يمكن حصوله الا بعد حصول الكمال الأول ، لان الانسان لا يمكنه ان يتصور معقولا ، ولو فهّم إياه . ناهيك ان يتنبه لذلك من نفسه وهو به وجع ، أو جوع شديد أو عطش ، أو حرّ أو برد شديد « 1191 » ، بل بعد حصول الكمال الأول يمكن حصول الكمال الأخير الّذي هو اشرف ، بلا شك وهو سبب البقاء الدائم لا غيره . فالشريعة الحاقة التي قد بينا انها واحدة لا غير وهي شريعة سيدنا موسى « 1192 » انما جاءت لتفيدنا الكمالين جميعا ، اعني صلاح أحوال الناس بعضهم مع بعض يرفع التظالم ، وبالتخلق بالخلق الكريم الفاضل حتى يمكن بقاء أهل البلد ، ودوامهم على نظام واحد ليحصل / كل واحد منهم على كماله الأول ، وصلاح الاعتقادات ، واعطاء آراء صحيحة بها يحصل الكمال الأخير . وقد نصت التوراة بهذين الكمالين ، وأخبرتنا ان غاية هذه الشريعة كلها هو حصول هذين الكمالين قال تعالى : فامرنا الرب بان نصنع هذه الرسوم ونخاف الرب الهنا لكي نصيب خيرا كل الأيام ونحيى كما في يومنا هذا « 1193 » ، وقدّم هنا الكمال الأخير بحسب شرفه كما بينا ، انه الغاية الأخيرة ، وهو قوله تعالى « 1194 » : لكي نصيب
هامش
( 1191 ) شديد : ت ، شديدان : ج ( 1192 ) : ا ، مشه ربينو : ت ج ( 1193 ) : ع [ التثنية 6 / 24 ] ، ويصونو اللّه لعسوت ات كل هحقيم هاله ليراه ات اللّه الهينو لطوب لنو كل هيميم لحيو تينو كهيوم هزه : ت ج ( 1194 ) تعالى : ج ، - : ت
دلالة الحائرين — صفحة 576 | موسى بن ميمون القرطبي الأندلسي