وهذا كله هرب « 1114 » مما ينبغي أن يهرب منه ، وهو ان يفعل الفاعل فعلا لا يقصد به غاية أصلا . وكذلك اعتقاد جمهور علماء شريعتنا وبذلك صرح انبياؤنا « 1115 » ، وهو ان جزئيات الافعال الطبيعية كلها محكمة منتظمة مرتبطة بعضها ببعض . وكلها أسباب ومسببات وما منها شيء عبث ، ولا لعب ، ولا باطل ، بل افعال حكمة بالغة كما قال : ما أعظم اعمالك يا رب لقد صنعت جميعها بالحكمة « 1116 » وقيل : وجميع صنعه بأمانة « 1117 » وقيل : الرب بالحكمة أسس الأرض الخ « 1118 » . وهذا مطرد كثيرا « 1119 » لا ينبغي ان يعتقد خلافه . والنظر الفلسفي كذا يقتضي ان ليس ثم شيء عبث ، ولا لعب ، ولا باطل « 1120 » في جميع افعال الطبيعة .
ناهيك في طبيعة الأفلاك ، فإنها احكم وانظم بحسب شرف مادتها .
واعلم أن معظم الأوهام الداعية للحيرة في طلب غاية وجود العالم بجملته أو غاية جزء جزء من اجزائه ، انما أصلها « 1121 » غلط الانسان في نفسه ، وتخيله ان الوجود كله « 1122 » من اجله فقط ، والجهل بطبيعة هذه المادة السفلية وجهل المقصود الأول وهو ايجاد كل ما يمكن وجوده .
إذ الوجود خير بلا شك . فمن اجل ذلك الغلط وجهل « 1123 » هذين المعنيين تحدث الشكوك ، والحيرة ، حتى يتخيل بعض افعال اللّه لعبا وبعضها عبثا وبعضها باطلا « 1124 » .
واعلم أن الذين « 1125 » / تحملوا هذه الشناعة ، حتى صارت افعاله تعالى عندهم شبه افعال العبث التي لا تقصد بها غاية أصلا . انما هربوا من أن
هامش
( 1114 ) هرب : ج ، هربا : ت
( 1115 ) انبياؤنا : ت ، آباؤنا : ج
( 1116 ) :
ع [ المزمور 104 / 24 ] ، مه ربو معنيك اللّه كلم بحكمه عسيت : ت ج
( 1117 ) : ع [ المزمور 33 / 4 ] ، وكل معسهو بامونه : ت ج
( 1118 ) : ع [ الأمثال 3 / 19 ] ، اللّه بحكمه يسدار ص وجو : ت ج
( 1119 ) كثيرا : ت ، كثير : ج
( 1120 ) شيء عبث ولا لعب ولا باطل :
ت ، شيئا عبثا ولا لعبا ولا باطلا : ج
( 1121 ) أصلها : ، أصله : ج ن
( 1122 ) كله :
ت ، - : ج
( 1123 ) جهل : ت ج ، بجهل : ن
( 1124 ) لعبا وعبثا باطلا : ت ، لعب وعبث باطل : ج
( 1125 ) الذين : ت ، الّذي : ج