البيت عليهم السّلام ، حيث بقيت آراؤهم ومعتقداتهم في احكام الدّين أقوى من أن تلين للسياسة وتدخّلات الولاة والأمراء .
ومن يتتبّع التّاريخ يعلم بوضوح أنّ لسياسة الوقت وتدخّلات الولاة والأمراء دورا كبيرا في محو أكثر المذاهب من صفحة الوجود وإثبات المذاهب الأربعة . ويؤكّد على ذلك أنّ رؤساء المذاهب البائدة أكثرهم كانوا أعلم من رؤساء المذاهب الأربعة الباقية . وهذا سفيان الثّوري لقّبوه بأمير المؤمنين في الحديث وسيّد الحفّاظ ، وقال القحطان : « الثّوري أحبّ إليّ من مالك » . فلما ذا ترك أهل السّنّة مذهبه وأخذوا بمذهب أبي حنيفة ؟ ! مع أنّ أبا حنيفة من أهل كابل في أفغانستان . قال مؤلّف كتاب « المائة الأوائل من الرّجال » « 1 » : إنّ أبا حنيفة ينتمي إلى أسرة تعود أصولها إلى « كابل » . فلما ذا تركوا مذهب أهل البيت مع أنّهم من أشرف بيوت العرب ، وأخذوا بمذهب أبي حنيفة وهو من « أفغانستان » وكذلك جعلوا البخاري من أئمّة الحديث وهو من « بخارى » ، وكانت في ذلك العصر جزءا من « أفغانستان » ؟ فما هو في بعض الكتب من أنّ مذهب الشّيعة مذهب فارسي ليس إلّا تغطية للحقائق بالأباطيل ، بل مذهب الشّيعة هو مذهب عربي بحت ، إذ رئيس مذهبهم هو من آل بيت الرّسول الأعظم . ولكن مذهب أهل السّنّة في الفقه الّذي هو أكثر انتشارا بينهم ، ينتمي إلى رجل فارسي وهو أبو حنيفة ، ومذهبهم في الحديث والأكثر وثوقا عندهم أيضا ينتمي إلى رجل فارسي وهو مؤلّف « صحيح البخاري » . بل كان أغلب علمائهم من الفرس كالبخاري والتّرمذي والنّسائي وابن ماجة والرّازي والقاضي البيضاوي وغيرهم .
هامش
( 1 ) - راجع « المائة الأوائل من الرجال » : ص 419 .