أمّا ابن حنبل فكان أكثر تعاونا مع الخلفاء العبّاسيين إنّه كان يقول : « الأئمّة من قريش ، ويعين على إمامة ولد العبّاس . ويقول : العبّاس أبو الخلفاء » « 1 » .
والشّافعي يرى الإمامة في قريش دون تعيين بطن بعينها من بطونها ، فيستوي في ذلك الهاشميّون والأمويّون وغير الهاشميّين وغير الأمويّين « 2 » .
وملخّص الكلام أن لاتّصال أصحاب المذاهب الثّلاثة من قريب أو بعيد بالخلفاء العبّاسيّين وفتواهم بوجوب الصّبر عند جور الحاكم دورا كبيرا في نشر مذاهبهم وبقائها .
وأمّا المذهب الحنفي - يقال لأصحابه أهل الرّأي - فأقوى عوامل انتشاره هو أبو سيف صاحب أبي حنيفة وسلطته التّنفيذيّة يوم ذاك ، وبتوليته منصب القضاء استطاع نشر المذهب الحنفي . وولي أبو سيف رئاسة القضاء العامّة في عهد الرّشيد سنة 170 ه ، فلم يكن يولي بلاد العراق وخراسان والشّام ومصر إلى أقصى عمّال إفريقيّة إلّا من أشار به ، وكان لا يولي إلّا أصحابه والمنتسبين إلى مذهبه فلم يقلّد في تلك البلاد إلّا من أشار به القاضي أبو سيف . وبمقتضى أنّ النّاس على دين ملوكهم ، فاضطرّت العامّة إلى أحكامهم وفتاواهم ، وانتشر المذهب الحنفي في البلاد انتشارا عظيما .
ولم يزل هذا المذهب غالبا على هذه البلاد حتّى تبدّلت الأحوال وزاحمته المذاهب الثّلاثة فأخذ كلّ نصيبه في البلاد الإسلاميّة .
وأمّا مذهب أهل البيت فبقي صامدا على حقيقته ، ورغم أنّ عقيدة الشّيعة حوربت بكلّ سلاح منذ اليوم الأول لتكوينها إلى يومنا هذا . وقد تظافرت
هامش
( 1 ) - « الأئمّة الأربعة » : ص 792 . .
( 2 ) - « الأئمّة الأربعة » : ص 533 .