وأنا منه » استحقاق الإمامة بعده ، لأنّه لا يؤدّي عن النّبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إلّا الإمام المفروض الطّاعة فلا يكون وليّ المؤمنين بعده إلّا الإمام المنصوب لاستحقاق الولاء من الأمّة .
ويزيده إعظاما في تفخيم أمره عليه السّلام قول النّبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « أنا منه » ، إذ لو اقتصر بقوله :
« عليّ منّي » ، لكان قابلا لوجوه من التّأويل ، ولمّا قال له : « أنا منه » دلّ على تعظيم القصّة ، وأنّه أراد الجنس المستحقّ به الإمامة . فمفاد الحديث أنّ عليّا من النّبي في الإمامة وفرض الطّاعة .
وقال البهبودي : إنّ المراد من كلمة « من » في قول النّبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « عليّ مني وأنا من عليّ » هو الاتّحاد والتّرابط بين محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وعليّ عليه السّلام . وطبيعي أنّ هذا المعنى لم يفهم من كلمة « من » أو من الجملة ذاتها ، ولكن يمكن التّوصل إليه خلال تتبّعنا للتّاريخ ، فقد كانت عادة العرب عند إقامة عقد أو حلف أن يصرّحوا بقولهم :
« أنت منّي وأنا منك » ، وتتكرر كلمة « من » عند إلغاء هذا العقد بقولهم : « لست منّي ولست منك » . وقد ورد هذا في أشعارهم ، وهذا شطر من بيت لأشعار النّابغة الذبياني في قصيدة يعاتب بها عيينة بن حصن الفزاري .
« أتخذل ناصري وتعين عبسا * ويربوع بن غيظ للمعن
إذا حاولت في أسد فجورا * فإنّي لست منك ولست منّي « 1 » »
نقل عن المرزوقي أنّ المراد من كلمة « من » في المثبت هو الاتّحاد والتّعاقد والوفاق وترك الخلاف ، وتدلّ أيضا على أنّ الطّرفين متّحدان دون انفصال أو تمايز بينهما .
ثمّ إنّ المراد بكلمة « من » في المنفي هو نفي الاتّحاد وقطع العلاقة .
فالمقصود من كلمة « من » هو إيجاد العلاقة والاتّحاد لأجل التّعاون والتّكاتف ، وفي الآيات القرآنية إشارة إلى هذا ، كقوله تعالى :
ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ
« 2 » .
هامش
( 1 ) - « ديوان النّابغة » : ص 79 ، و « الغرر والدّرر » : ج 1 ص 36 .
( 2 ) - سورة آل عمران : 34 .