لأنّه إذا كان ابتداء غاية عليّ عليه السّلام من ابتداء غاية النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فكيف يجوز العكس في الكلام بعد الطّرد بقوله : وأنا من عليّ ؟ لأنّه يجب أن يكون ابتداء غاية النّبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من ابتداء عليّ عليه السّلام ، وهذا متناقض .
وأمّا الوجه الثّاني : وهو كونها للتّبعيض ، فلا يجوز أن يكون مراده صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، لأنّه ليس بجزء من عليّ عليه السّلام ولا عليّ عليه السّلام جزء منه ، وهذا معلوم ضرورة من دون حاجة إلى الدّليل .
وأمّا الوجه الثّالث : وهو كونها زائدة ، فلا يجوز أن يكون مراده صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لأنّ معنى الزّائدة إذا حذفتها لم يتغيّر الكلام . ومن البديهي أنّ كلمة « من » إذا حذفت من أحدهما تغيّر الكلام والمعنى ، إذ يرجع الكلام إلى عليّ أنا وأنا عليّ ، وهذا ما لا يقوله عاقل .
أمّا الوجه الرّابع : وهو كونها لتبيين الجنس فهو المراد ، فيكون قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « عليّ مني » أي من جنسي في التّبليغ والأداء ووجوب فرض الطّاعة ، لأنّ النّبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم نبي وإمام ، كما قال تعالى مخاطبا لإبراهيم :
إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً
« 1 » مع كونه نبيّا من أولي العزم ، فصار استحقاق الإمامة له كاستحقاق النّبوّة للنّبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، لأنّ جنس طريق الاستحقاق واحد ، وهو سؤال إبراهيم عليه السّلام ، لأنّه سأل الإمامة لذرّيته ، فقال له تعالى :
لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ
« 2 » .
إلى أن قال : وممّا يوضّح ذلك ويزيده بيانا ، وأنّه الوجه المقصود به دون ما عداه ، أنّ له قرينتين في لفظ الخبر ، تدلّان على صحّة هذا التّأويل ، وهما قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم :
« ولا يؤدّي عنّي إلّا أنا أو عليّ » ، وقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « عليّ منّي وأنا منه ، وهو وليّ كلّ مؤمن بعدي » . وهاتان القرينتان من أدلّ دليل على أنّ مراده صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بقوله : « عليّ منّي
هامش
( 1 ) - سورة البقرة : 124 .
( 2 ) - سورة البقرة : 124 .