ففي واقعة أحد ، بعد أن هرب جيش الإسلام إلّا النّفر اليسير منهم ، وفي الوقت الّذي كان الإمام عليّ عليه السّلام يناضل ويدافع عن حياة الرّسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، ويضرب بسيفه ، ويردّ ضرباتهم إلى نحورهم ، نزل أمين الوحي جبرائيل مخاطبا الرّسول الأعظم قائلا : يا رسول اللّه ، إنّ ملائكة السّماء لتعجب من بطولة هذا الشّاب ومؤازرته لك ، فأجابه النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « وما يمنعه من هذا ، وهو منّي وأنا منه » « 1 » ، ويؤيّد على ما ذكرنا من أنّ قوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم تأكيد لعهد المؤازرة ما حدث في تبليغ براءة إلى المشركين ، وذلك يتّضح عند تتبّعنا لقصّة سورة براءة وكيفيّة إبلاغها . وبما أنّ السّورة المذكورة كان يجب أن تبلّغ إلى المشركين كافّة ، فالبلاغ هذا إمّا أن يتمّ بواسطة النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم نفسه ، أو بمن ينوب عنه ، وذلك بأن يذهب هو بنفسه أو نائبه إلى القبائل واحدة بعد الأخرى ، أو أن ينتظر موسم الحجّ وتجمّع القبائل وإنذارهم بما أنزل إليه ، ويؤكّد خطابه بقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « فليبلّغ الشّاهد الغائب » .
وبما أنّ مفاد الآية الثّانية :
أَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ
« 2 » تجيز النّيابة عنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، وقد يكون هو الأرجح بأن تقرأ السّورة على المشركين علنا ، فالنّبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم قد تغافل عن العهد الّذي أبرم بينه وبين ابن عمّه عليّ بن أبي طالب عليه السّلام ، فأرسل أبا بكر بن أبي قحافة إلى مكّة المكرّمة لإبلاغ المشركين ، فلم تمض إلّا برهة حتّى نزل أمين الوحي جبرائيل وقال : يا رسول اللّه : « لا يؤدّي عنك إلّا أنت أو رجل منك » « 3 » ، وعند ذلك أمر الرّسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عليّا أن يركب النّاقة الغضباء ، وكانت خير دليل على أنّه مبعوث من قبله صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، ويعقب أبا بكر ليستردّ منه السّورة المذكورة ، ويقوم هو بهذا العمل الخطير .
هامش
( 1 ) - « الطّبري » : ج 2 ص 514 و « الكامل » : ج 2 ص 63 ، و « إرشاد المفيد » : ص 39 ، و « أمالي الطّوسي » : ص 170 .
( 2 ) - سورة التّوبة : 3 .
( 3 ) - « الدّرّ المنثور » للسيوطي : ج 3 ص 209 .