يخبر لا بلسان ولهوات ( بل بما يخلق من الأصوات أو يلهم من المعاني في القلوب ) ويسمع لا بخروق وأدوات ( بل علما بالمسموع دون جارحة ) يقول ولا يلفظ ، ويحفظ ولا يتحفظ ، ويريد ولا يضمر ( رغم المريدين سواه حيث لا يريدون إلّا بعد أن يضمروا مرادهم ، فإنما أمره إذا أراد شيئا ان يقول له كن فيكون ) يحب ويرضي من غير رقة ، ويبغض من غير مشقة ، يقول لما أراد كونه : كن - فيكون ، لا بصوت يقرع ، ولا نداء يسمع ، وإنما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه .
( النفي والإثبات في هذه الجملات الجميلة إنما يدوران مدار تنزيهه تعالى عن لوازم أمثال هذه الأفعال والصفات ، فكلّ ما ينسب إليه تعالى من فعل وصفة يشبه أفعالنا وصفاتنا ، فإنما يراد منها ما يناسب وساحة الألوهية ، فالواجب علينا تجريدها عما لا يناسب وساحته تبارك وتعالى ، فإنما المعني من قوله ما يراد من القول ، فقول : كن - يراد منه وجود شيء لم يكن ، وتأويل ونتاج السمع والبصر هو العلم بالمسموع والمبصر ، وأثر الحب : الاكرام ، وأثر البغض : الإهانة .
فالضابطة الكلية في المعني من هذه الأفعال والصفات ما يناسب ساحة الألوهية فإنه تعالى إنما يكلمنا هكذا لنتفهم ما يعنيه لا ليشبّه نفسه بسواه ، أو نشبهه بمن سواه ) .
ومثله لم يكن من قبل ذلك كائنا ، ولو كان قديما لكان إلها ثانيا ( حيث الأزلية غنيّ مطلقة ، فألوهية كألوهيته تعالى على سواء ) .
لا يقال له : كان بعد ان لم يكن ، فتجري عليه الصفات المحدثات ( حيث المحدثات إنما تجرى على الحادثات ضرورة لزوم الوفق بين الصفة والموصوف في الأزلية والحدوث ، لاستحالة الجمع بين المتباينين المتناقضين ، وإن كان جمعا كالصفة والموصوف ، بل هذا من أصدق مصاديق الجمع ) .
ولا يكون بينها وبينه فصل ولا له عليها فضل ( هذان من لوازم جريان
حوار بين الإلهيين والماديين — صفحة 431
مساهمون: محمد الصادقي
ص٤٣١