« فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
30 : 30
فإذا اتجه الإنسان بوجه عقله وقلبه إلى الفطرة - ونحى منحاها ، ولا سيما في اضطرار شامل وبوار كامل ، حينذاك يجد : أن ربه واحد لا شريك له .
وذلك الدين الذي يتطلع عن فطرة الإنسان ، عن حقها وحاقّها ، هو الدين القيم ، يقوم مع الإنسان مهما كان ، ويقيمه عن أود الشرك في توحيد خالص لا مرد له .
قيّما لا تطيق أن تدمره شتى المحاولات الضالة ، ولا يغيب عن الإنسان ما لم يغبه بطوع الهوى : إنارة العقل مكسوف بطوع الهوى .
« رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ . . . »
. . . « مشهد هام يعرض علينا : مشهد الفلك في البحر ، نموذجا للحظات الشدة والحرج ، لان الشعور بيد اللّه في الخضم أقوى وأشد حساسية ، ونقطة من الخشب أو المعدن تائهة في الخضم تتقاذفها الأمواج والتيارات ، والناس متشبثون بهذه النقطة على كفّ الرحمن .
إنه مشهد يحس به من كابده ، ويحسّ بالقلوب الخافقة الواجفة المتعلقة بكل هزة وكل رجفة في الفلك ، صغيرا كان أو كبيرا ، حتى عابرات المحيط الجبارة التي تبدو في بعض اللحظات كالريشة في مهب الرياح على ثبج الموج الجبار .
والتعبير يلمس القلوب لمسة قوية ، وهو يشعر الناس : أنّ يد الله تزجي لهم الفلك في البحر ، وتدفعه ليبتغوا من فضله
« إِنَّهُ كانَ بِكُمْ رَحِيماً »
فالرحمة هي اظهر ما تستشعره القلوب في هذا الاوان .
ثم ينتقل بهم من الإزجاء الرخيّ للاضطراب العتيّ ، حين ينسى الراكب في الفلك المتناوح بين الأمواج كلّ قوة وكلّ سند وكل مجير إلّا الله ، فيتجهون