حيث النظرات المتجهة إلى الكون ، منها مدركة تحصل على رموز كونية عميقة ، فهي مذعنة ألّا تفاوت فيه ولا فطور ، وأخرى تغرق في يمّه المتلاطم الأمواج حائرة قلقة ، كالكثير من النظرات التي تحاول ان تحيط به علما ، فهذه لا تزداد أصحابها في سبرهم غور الكون إلّا حيرة وبهورا ، يذعنون : أنهم خاسئون في جنب تلكم العظمة في خلق الرحمن ، وان ابصارهم حسيرة كليلة ، فأنّى لهم النقد فيما فيه يحارون ؟ أنقدا في المجهول ؟ !
اجل : وهذه قاعدة عاقلة منصفة : أن الناظر في الكون إذا عمّيت عليه الحكمة في ناحية من نواحيه ، لم يكن له التسرّع في النقد والإشكال ، لما يعلمه بإتقان : أنّ صانع الكون اعلم منه واتقن في الحكمة ، فليعترف بقصوره ، بدل أن يتسرع بجهله في النقد ! . .
ولقد درسنا في مدارس العلوم الكونية : ان كل نقد في نظام الكون إنما هو ناتج عن قصور العلم وعدم نيله ، فعلى ضوء تقدم العلوم نرى المشاكل تنحل حسب مقادير التقدمات العلمية
« وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى »
.
« . . . وأسلوب التحدي من شأنه ان يثير الاهتمام والجد في النظر إلى السماوات وإلى خلق اللّه كله ، وهذه النظرة الحادة الفاحصة المتأملة المتدبرة ، هي التي يريد القرآن أن يثيرها وان يبعثها .
فبلادة الألفة تذهب بروعة النظرة إلى هذا الكون الرائع العجيب الجميل الدقيق الذي لا تشبع العين من تملّي جماله وروعته ، ولا يشبع القلب من تلقي ايحاءآته وإيماءاته ، ولا يشبع العقل من تدبر نظامه ودقته ، والذي يعيش من يتأمله بهذه العين ، في مهرجان إلهي باهر رائع ، لا تخلق بدائعه ، لأنها أبدا متجددة للعين والقلب والعقل .
والذي يعرف شيئا من طبيعة هذا الكون ونظامه ، كما كشف العلم الحديث عن جوانب منها ، يدركه الدهش والذهول ، ولكن روعة الكون