لهذا وذاك كانت حاجة الطاعة إلى الحول والقوة أكثر بكثير من المعصية ، بل إن المعصية لا تحتاج إلّا إلى قوة الفعل وظروفه الخارجية ، ثم العالم بعرضه وطوله يؤيد عامل المعصية .
فالطاعة بحاجة ماسة إلى تأييد من اللّه وتوفيق منه ، دون ان تكفي دوافع الطاعة لتحقيقها ، ولذلك نرى : أن اللّه تعالى يؤيد المطيعين تكوينا وتشريعا :
في الشرع : أنه يدعو إليها - ويؤكد عليها - ويبرهن لها ، ويعد لعاملها حياة الخلود والرضوان في دار السلام .
وفي التكوين : أنه يرجح إرادة المطيع بعد ما أراد الطاعة ، ثم يأخذ بيده إلى الطاعة حتى يحققها .
فالطاعة لها نسبتان : نسبة إلى الرب ، ونسبة إلى العبد ، إلّا ان نصيب الرب أكثر من العبد بكثير ، فاللّه أولي بحسناتنا منّا .
ولكن المعصية محفوفة بنواهيه وزواجره تعالى وانه لا يؤيد ويوفق العاصي ، وإنما يذره في طغيانه يعمه ، وفي غيّة يتردّد ، يكل العاصي إلى نفسه : إذا هو لا يريد إلّا العصيان ، وليس للّه تعالى نصيب من العصيان ، إلّا أنه قوّى العاصي : أي أعطاه قوة العمل ، دون لون ، حالة العصيان ، إذا فالعبد أولى من الرب بسيئاته .
« وذلك اني لا أسأل . . » برهان على أولويته تعالى بحسنات العبد وأولوية العبد بسيئاته - إذ إن اذنه تعالى في سيئات العباد لا يتنافى واختيارهم ، وليس في ذلك أيّة مشاركة معهم في العصيان ، وإذا خفيت الحكمة في ذلك فإنه
« لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ »
إذ لا يأتي الا وفق العدل والحكمة البالغة دون خطأ
« وَهُمْ يُسْئَلُونَ »
حيث الأخطاء متوفرة على من سوى اللّه ، وهذه الأولوية في السيئة ليست من حيث القدرة : ان تتغلب قدرة العبد على إرادة الرب - وحاشاه - وانما ذلك قضية كون نسبة العصيان إلى العبد أكثر بكثير من نسبته إلى اللّه تعالى ، والنسبة