فليس حيث لم يقبل منك فتركته ، كنت أنت الذي أمرته بالمعصية » « 1 » .
ف « انّ اللّه خلق الخلق ، فعلم ما هم صائرون إليه ، وأمرهم ونهاهم ، فما أمرهم به من شيء فقد جعل لهم السبيل إلى تركه ، ولا يكونون آخذين ولا تاركين إلّا بإذن اللّه « 2 » .
أجل : إن الامر بين أمرين ، يجعل العبد في أفعاله كأوسع مما بين السماء والأرض ، إذ ان الاستطاعة والاختيار لا يسلبان عنه : بما للّه المشية في فعله وتركه ، فإن مشيئته ليست إلّا بعد ما يظهر العبد كافة ما في وسعه إلى الوجود من مقدمات اختيارية ، وكل ذلك بما حباه ربّه من القدرة ، وهو حين الفعل يقدر بما أقدره اللّه ، دون لون لهذه القدرة : لا طاعة ولا عصيانا ، إلّا قدرة دون لون .
ثم بعد تلكم المقدمات المستطاعة له نتيجة اختياره ، هناك صدور الفعل بحاجة ماسة إلى إذن اللّه : إذنا تكوينيا : إذنان تكوينيان : 1 - داخل كيان العبد : ان اقدره اللّه - 2 - ومن اللّه تعالى : أن لم يحجبه عما يريد ، وأراد ما يريد إرادة في مجرى اختيار العبد دون إجبار .
أجل : « انه لطف من ربك بين ذلك » : نفوذ دقيق من إذن اللّه وارادته ، دون جبر وضيم ، بل إنه لطف في لطف في لطف : 1 - يلطف بالعبد إذ يعطيه القوة على ما يريد - 2 - ثم يزيده لطفا : أنه لا يسدّه عما يريده - 3 - ثم لطفا ابتلائيا يخرجه من الجبر في تركه : أنه يأذن له في ما يريد ، ويريد ما يريده العبد ، إرادة بعد إرادة المختار : فلا تصطدم واختياره ! .
فلو أنه تعالى لم يقدر العبد حين يحاول تهيئة مقدمات العصيان ، ثم لم يأذن له في صدور العصيان بعد تكمله ما اختاره من مقدمات ، إذ ذاك كان ذلك
هامش
( 1 ) - أصول الكافي 1 : 160 ح 13 عن الصادق ( ع ) .
( 2 ) - أصول الكافي 1 : 158 ح 5 عن الصادق ( ع ) .