أجل ! إنه ليس للشيطان قوة ولا سلطان ، وإنما ظرف اضلاله لهم ضعف الإيمان وسلطة النفس الامارة بالسوء ، وتجاوبها مع الشيطان دون أيّة حجة أو برهان ، فيهوي في هوّات السقوط - وينهار في النار نتيجة سوء الاختيار .
فسلوك هذه السبيل الصعبة الملتوية بهمزات الشياطين ليس إلا من عباد اللّه الصالحين المخلصين ، الذين لا تجرفهم جوارف الهوى ، ولا تأخذهم في اللّه لومة لائم ، فهم مواصلون في تضحياتهم في سبيل ربهم بالنفس والنفيس .
ففي معترك هؤلاء الأجناد المجندة : جنود العقل والنفس الأمارة بالسوء ، في هذا الميدان الواسع والمجال الفاسح ، يبتلى العباد لكي يغربلوا ويبلبلوا ويمحّصوا
« لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ »
8 : 42 .
دافع ومانع :
فهناك دافع ومانع ، دافع الإيمان نتيجة العقل ، ومانع الشيطان نتيجة النفس - حزبان متغالبان وعسكران متعاركان ، فعلى المؤمن غور المعركة بغية الوصول إلى رضوان اللّه وساحة قربه ، جهادا في سبيله مهما كانت العوائق وفيرة والبوائق كثيرة ف :
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ
61 : 4 ، وما الحياة إلا عقيدة وجهاد : عقيدة الحق والجهاد في الحفاظ عليه والذود عنه .
وساوس الشيطان ظروف صالحة للامتحان :
هذه التضحيات والتغلبات على الشياطين : من الجن والإنس ، من داخل الأنفس وخارج الآفاق ، هذه التي تعرج بالانسان إلى معارج المعرفة والطاعة :
إنها لا تتحقق للعباد الصالحين إلا في ظروف وجود الشياطين وافتعالاتهم في سد السبيل إلى اللّه بألوان المكائد والحيل .
ثم الشياطين وان كانوا شرارا لأنفسهم من حيث يريدون ويعملون نتيجة سوء الاختيار ، بالنسبة لهم وسواهم ، إلا أنهم من ناحية أخرى يحققون ظروف