تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حوار بين الإلهيين والماديين — صفحة 238

مساهمون:

ص٢٣٨
وإذا حققنا هذين الأصلين ، وسوف نفصّلهما فيما يلي ، فلا يبقى مجال الاستدلال بالمثال ، إذ إنّ المثال لا يؤتى به إلا لتقريب ما ثبت بالبرهان ، أو لا يحيله العقل ، فما ذا يصنع بمثال البناء والبنّاء في الأصلين الثابتين العقليين ؟ . فهل يستطيع هذا المثال نقض القاعدة العقلية : أن المعلول الحقيقي مفتقر الذات إلى علته ، لا كيان له إلا بها ، ولا بقاء له إلا ببقاء العلة وحفاظها عليه ؟ . فهكذا معلول لا تختلف حاله بعد الوجود عن حاله قبله ، حيث لم يكسب من العلة إلا الوجود المفتقر الذات إليها ، لا هو واستقلال الذات عنها . لا فحسب ! بل وهذه قاعدة مطردة عقلية دون شذوذ ، في كافة العلل والمعاليل : أنه لا يستقل معلول ما ولا يتحلّل عن علته ، كيفما كانت المعاليل والعلل . ففي مثال البناء والبنّاء لا نجد معلولا ما بقي منفصل الوجود عن علته ، ولو آنا ما ! فإن معاليل البنّاء تنعدم ، كل عند انقطاع علته ، ثم بعد اختتام البناء لا صنع له ولا عليّة ، وإن كان حاضرا لديه وناظرا إليه . إن معاليل البنّاء ليست إلا حركات خاصة تصدر عنه ، وتتولد عنها صور مخصوصة ووحدة تركيبية هي شاكلة البناء . هذه معاليله لا سواها : لا مواد البناء واجزائه الحديدية والخشبية والحجرية والجصية وسواها ، فإنما وضع لبنة على أخرى ، وأشال خلالها الجص والطين - ووضع الأعواد على السطوح ، وما إلى ذلك من الحركات الخاصة ، ولقد انعدمت هذه إطلاقا ، كلّ : إنما يترك البنّاء التحريك الخاص ، دون بقاء وان كان لحظة يسيرة . فما بقيت من المعاليل في البناء فلوجود عللها ، وما انعدمت فلانعدام أو انفصال عللها .