حالته ؟ وكم من خلل كان يدخل عليه في أموره ومعاشه وتجاربه ، إذا لم يحفظ ما له وما عليه وما أخذه وما أعطى ، وما رأى وما سمع ، وما قال وما قيل له ، ولم يذكر من أحسن إليه ممن أساء به ، وما نفعه مما ضرّه ، ثم كان لا يهتدي لطريق لو سلكه ما لا يحصي ولا يحفظ علما ولو درسه عمره - ولا ينتفع بتجربة - ولا يستطيع أن يعتبر شيئا على ما مضى ، بل كان حقيقا أن ينسلخ من الانسانية أصلا ، فانظر إلى النعمة على الانسان في هذه الخلال ، وكيف موقع الواحدة منها دون الجميع .
وأعظم من النعمة على الانسان في الحفظ ، النعمة في النسيان ، فإنه لولا النسيان لما سلا أحد عن مصيبة ، ولا انقضت له حسرة ، ولا مات له حقد ، ولا استمتع بشيء من متاع الدنيا مع تذكّر الآفات ، ولا رجى غفلة من سلطان ، ولا فترة من حاسد .
أفلا ترى كيف جعل في الانسان الحفظ والنسيان وهما مختلفان متضادّان وجعل له في كل منهما ضرب من المصلحة !
وما عسى أن يقول الذين قسموا الأشياء بين خالقين متضادين - في هذه الأشياء المتضادة المتباينة - وقد تراها تجتمع علي ما فيه الصلاح والمنفعة !
من عجائب الصنع في الحيوان :
فكّر في الفطن التي جعلت في البهائم لمصلحتها بالطبع والخلقة - لطفا من اللّه عز وجل لهم - لئلا يخلو من نعمه عز وجل أحد من خلقه - لا بعقل ورويّة .
. . . الأيّل :
فإن الأيّل يأكل الحيات فيعطش عطشا شديدا فيمتنع من شرب الماء خوفا من أن يدبّ السمّ في جسمه فيقتله ، وتقف على الغدير وهو مجهود عطشا فيعج عجيجا عاليا ولا يشرب منه - ولو شرب لمات من ساعته - فانظر إلى