. . . لقد قال قوم من جهلة المتكلمين وضعفة المتفلسفين بقلة التميّز وقصور العلم : لو كان بطن الانسان كهيئة القباء يفتحه للطبيب إذا شاء فيعاين ما فيه ويدخل يده فيعالج ما أراد علاجه ، ألم يكن أصلح من أن يكون مصمتا محجوبا عن البصر واليد ؟
لا يعرف ما فيه إلّا بدلالات غامضة كمثل النظر إلى البول وحسّ العرق وما أشبه ذلك مما يكثر فيه الغلط والشبهة - حتى ربما كان ذلك سببا للموت !
فلو علم هؤلاء الجهلة أن هذا لو كان هكذا - كان أوّل ما فيه أنه كان يسقط عن الانسان الوجل من الأمراض والموت - وكان يستشعر البقاء ويغتر بالسلامة فيخرجه ذلك إلى العتوّ والأشر ( أكثر فأكثر ) !
ثم كانت الرطوبات التي في البطن تترشح وتتحلّب فيفسد على الانسان مقعده ومرقده - وثياب بذلته وزينته - بل كان يفسد عليه عيشه !
ثم إن المعدة والكبد والفؤاد إنما تفعل أفعالها بالحرارة الغريزية - التي جعلها اللّه محتبسة في الجوف - فلو كان في البطن فرج ينفتح - حتى يصل البصر إلى رؤيته واليد إلى علاجه - لوصل برد الهواء إلى الجوف فمازج الحرارة الغريزية وبطل عمل الأحشاء فكان في ذلك هلاك الإنسان .
أفلا ترى ان كل ما تذهب إليه الأوهام - سوى ما جاءت به الخلقة خطأ أو خطل ؟ !
. . . تأمّل هذه القوى التي في النفس وموقعها من الانسان : أعني الفكر والوهم والعقل والحفظ وغير ذلك .
الحفظ والنسيان :
أفرأيت لو نقص الانسان من هذه الخلال : الحفظ وحده ، كيف كانت تكون