تتقدم على المقدور عندهم ، وإن فرضوا للعبد قدرة موجودة حال وجود قدرة الفعل لزمهم ، إما اجتماع الضدين ، أو تقدم القدرة على الفعل ، فانظر إلى هؤلاء القوم الذين لا يبالون في تضاد أقوالهم وتعاندها .
وفي الثاني من وجهين :
الأول : العلم بالوقوع يتبع الوقوع فلا يؤثر فيه فإن التابع إنما يتبع متبوعه ويتأخر عنه بالذات والمؤثر متقدم .
الثاني : إن وجوب اللاحق لا يؤثر في الإمكان الذاتي ويحصل الوجوب باعتبار فرض وقوع الممكن ، فإن كل ممكن على الإطلاق إذا فرض موجودا ، فإنه حالة وجوده يمتنع عدمه لامتناع اجتماع النقيضين ، وإذا كان ممتنع العدم كان واجبا مع أنه ممكن بالنظر إلى ذاته ، والعلم حكاية عن المعلوم ومطابق له ، إذ لا بد في العلم من المطابقة فالعلم والمعلوم متطابقان ، والأصل في هيئة التطابق المعلوم ، فإنه لولاه لم يكن علما ، ولا فرق بين فرض الشيء وفرض ما يطابقه بما هو حكاية عنه ، وفرض العلم هو بعينه فرض المعلوم ، وقد عرفت أن مع فرض المعلوم يجب فكذا مع فرض العلم به ، وكما أن ذلك الوجوب لا يؤثر في الإمكان الذاتي وكذا هذا الوجوب ، ولا يلزم من تعلق علم اللّه وجوبه بالنسبة إلى ذاته بل بالنسبة إلى العلم ، واما المعارضة في الوجهين فإنهما آتيان في حق واجب الوجود تعالى ، فإنا نقول في الأول لو كان اللّه تعالى قادرا مختارا فإما أن يتمكن من الترك أو لا ، فإن لم يتمكن من الترك كان موجبا مجبورا على الفعل لا قادرا مختارا ، وإن تمكن فإما أن يترجح أحد الطرفين على الآخر أو لا ، فإن لم يترجح لزم وجود الممكن المتساوي من غير مرجح ، فإن كان محالا في حق العبد كان محالا في حق اللّه تعالى لعدم الفرق ، وإن ترجح فإن انتهى إلى الوجوب لزم الجبر وإلا تسلسل أو وقع المتساوي من غير مرجح ، فكلما يقولونه هنا نقوله في حق العبد ونقول في الثاني إن ما علمه اللّه تعالى إن وجب ولزم بسبب هذا الواجب خروج القادر منا عن قدرته وإدخاله في الموجب ، لزم في حق اللّه تعالى ذلك بعينه وإن لم يقتض سقط الاستدلال ، فقد ظهر من هذا أن هذين الدليلين آتيان في حق اللّه تعالى ، وهما إن صحّا لزم خروج الواجب تعالى عن كونه قادرا ويكون موجبا ، وهذا هو الكفر الصريح إذ الفارق بين الإسلام والفلسفة إنما هو هذه المسألة ، والحاصل أن هؤلاء إن اعترفوا بصحة هذين الدليلين لزمهم الكفر ، وإن اعترفوا ببطلانهما سقط احتجاجهم بهما .
حق اليقين في معرفة أصول الدين — صفحة 99
مساهمون: السيد عبد الله شبر
ص٩٩