لو لم يقع لزم انقلاب علم اللّه تعالى جهلا وهو محال ، وما علم عدمه فهو ممتنع ، إذ لو وقع انقلب علم اللّه جهلا وهو محال أيضا ، والواجب والممتنع غير مقدورين للعبد ، فيلزم الجبر .
3 - الرد على شبهات الأشاعرة :
قال آية اللّه العلامة رحمه اللّه في نهج الحق بعد تقدير هاتين الشبهتين والجواب عن الوجهين من حيث الحل ، ومن حيث المعارضة . أما الحل ففي الأول من وجوه :
الأول : وهو الحق أن الوجوب من حيث الداعي والإرادة لا ينافي الإمكان في نفس الأمر ، ولا يستلزم الإيجاب وخروج القادر عن قدرته ، وعدم الفعل بها ، فإنا نقول الفعل مقدور للعبد يمكن وجوده عنه ويمكن عدمه ، فإذا خلص الداعي إلى إيجاده وحصلت الشرائط وارتفعت الموانع وعلم القادر بخلوص المصالح الحاصلة من الفعل عن شوائب المفسدة البتة ، وجب من هذه الحيثية إيجاد الفعل ، ولا يكون ذلك جبرا ولا إيجابا بالنسبة إلى القدرة والفعل لا غير .
الثاني : يجوز أن يترجح الفعل فيوجده المؤثر أو العدم فيعدمه ولا ينتهي الرجحان إلى الوجوب على ما ذهب إليه جماعة من المتكلمين ، فلا يلزم الجبر ولا الترجيح من غير مرجح قوله مع ذلك الرجحان لا يمتنع النقيض ، فليفرض واقعا في وقت فترجيح الفعل في وقت وجوده يفتقر إلى مرجح آخر ، قلنا ممنوع بل الرجحان الأول كاف فلا يفتقر إلى رجحان آخر .
الثالث : لم لا يوقعه القادر مع التساوي ، فإن القادر يرجح أحد مقدوريه على الآخر من غير مرجح ، وقد ذهب إلى هذا جماعة من المتكلمين ومثلوا لذلك بصور وجدانية كالجائع يحضره رغيفان متساويان من جميع الوجوه ، فإنه يتناول أحدهما من غير مرجح ، ولا يمتنع من الأكل حتى يترجح المرجح ، والعطشان يحضره إناءان متساويان من جميع الوجوه ، والهارب من السبع يعرض له طريقان متساويان فإنه يسلك أحدهما ولا ينتظر حصول المرجح ، وإذا كان هذا الحكم وجدانيا كيف يمكن الاستدلال على نقيضه .
الرابع : إن هذا الدليل ينافي مذهبهم ، فلا يصح لهم الاحتجاج به ، لأن مذهبهم أن القدرة لا تصلح للضدين ، فالمتمكن من الفعل يخرج عن القدرة لعدم التمكن من الترك ، وإن خالفوا مذهبهم من تعلقها بالضدين لزمهم وجود الضدين دفعة واحدة ، لأن القدرة لا