تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حق اليقين في معرفة أصول الدين — صفحة 96

مساهمون:

ص٩٦
الرجعة ، قال اللّه تعالى :
وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيها رَبَّنا أَخْرِجْنا
قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً
وَلَوْ تَرى إِذِ الْمُجْرِمُونَ ناكِسُوا رُؤُسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنا أَبْصَرْنا وَسَمِعْنا فَارْجِعْنا نَعْمَلْ صالِحاً
أو يقول حين يرى العذاب :
لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
إلى غير ذلك من الآيات . ومن جملة ما يلزمهم مخالفة إجماع الأنبياء والرسل ، فإنه لا خلاف في أن الأنبياء اجمعوا على أن اللّه تعالى أمر عباده ببعض الأشياء كالصلاة والصوم ، ونهى عن البعض كالظلم والجور ، ولا يصح ذلك إذا لم يكن العبد موجدا ، وكيف يصح أن يقال له ائت بفعل الإيمان والصلاة ولا تأت بالكفر والزنا مع أن الفاعل لهذه والتارك لها هو غيره ، فإن الأمر بالفعل يتضمن الإخبار عن كون المأمور قادرا عليه ، حتى إنه لو لم يكن المأمور قادرا على المأمور به ، لمرض أو سبب آخر ، ثم أمره غيره فإن العقلاء يتعجبون منه وينسبونه إلى الحمق والجهل والجنون ، ويقولون إنك تعلم أنه لا يقدر على ذلك ثم تأمره به . ولو صح هذا لصح أن يبعث اللّه رسولا إلى الجمادات مع الكتاب فيبلغ إليها ما ذكرناه ، ثم إنه تعالى يخلق الحياة في تلك الجمادات ويعاقبها لأجل أنهم لم يمتثلوا أمر اللّه ورسوله ، وذلك معلوم البطلان ببديهة العقل ، ويلزم أيضا سد باب الاستدلال على كونه تعالى صادقا ، والاستدلال على العلم بإثبات الصانع ، والاستدلال على صحة النبوة ، والاستدلال على صحة الشريعة ، ويفضي إلى القول بخرق الاجماع ، لأنه لا يمكن اثبات الصانع إلا بأن يقال العالم حادث ، فيكون محتاجا إلى المحدث قياسا على أفعالنا المحتاجة إلينا ، فمن منع حكم الأصل والقياس وهو كون العبد موجدا ، لا يمكنه استعمال هذه الطريقة ، فينسد عليه باب إثبات الصانع . وأيضا إذا كان اللّه تعالى خالقا للجميع من القبائح وغيرها ، لم يمتنع منه إظهار المعجزة على يد الكاذب ، ومتى لم يقطع بامتناع ذلك انسد علينا باب إثبات الفرق بين النبي والمتنبي . وأيضا إذا جاز أن يخلق اللّه تعالى القبائح جاز أن يكذب في إخباره فلا يوثق بوعده ووعيده ، وإخباره عن أحكام الآخرة والأحوال الماضية والقرون الخالية . وأيضا يلزم من خلقه القبائح أن يدعو إليها ، وأن يبعث عليها ويحث ويرغب فيها ، ولو جاز ذلك جاز أن يكون ما رغب اللّه تعالى فيه من القبائح ، فتزول الثقة بالشرائع ويقبح التشاغل بها .