تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حق اليقين في معرفة أصول الدين — صفحة 102

مساهمون:

ص١٠٢

5 - معنى الجبر والتفويض :

إن أفعال العباد دائرة بحسب الاحتمال العقلي بين أمور : الأول : أن يكون حصولها بقدرة اللّه تعالى وإرادته من غير مدخل لقدرة العبد فيه وإرادته . الثاني : أن يكون بقدرة العبد وإرادته من غير مدخل لقدرة اللّه تعالى وإرادته فيه ، أي بلا واسطة إذ لا ينكر عاقل أن الإقدار والتمكين مستندان إليه تعالى إما ابتداء أو بواسطة . الثالث : أن يكون حصولها بمجموع القدرتين ، وذلك بأن يكون المؤثر قدرة اللّه تعالى بواسطة قدرة العبد أو بالعكس ، أو يكون المؤثر مجموعهما من غير تخصيص أحدهما بالمؤثرية والأخرى بالآلية ، وذهب إلى كل من تلك الاحتمالات ما خلا الاحتمال الثاني من محتملات الشق الثالث طائفة . وقد تظافر في الأخبار الواردة عن الأئمة الأطهار عليهم صلاة الملك الغفار أنه لا جبر ولا تفويض بل أمر بين أمرين ، والجبر معلوم معناه ، وأما التفويض فالذي يستفاد من الأخبار أنه يطلق على عدة معان : الأول : تفويض اللّه الأمر إلى العباد ، بحيث لا يكون لأوامره تعالى ونواهيه وبواعثه وزواجره وتوفيقه وإحسانه وتأييده وتسديده وخذلانه مدخل فيه ، ويلزم إخراج القادر المطلق عن سلطانه ونسبة العجز الظاهر إلى من لا يدخل النقص في شأنه . الثاني : هو رفع الحظر عن الخلق في الأفعال والإباحة لهم مع ما شاءوا من الأعمال . الثالث : هو تفويض أمر الخلق والرزق إلى بعض عباده كما ذهب إليه المفوضة ، وأكثر ما يطلق التفويض في هذا الباب على المعنى الأول ، وقد يطلق على الثاني ، وقد يطلق على معان أخر أيضا كتفويض اختبار الإمام ونصبه إلى الأمة ، وتفويض الأحكام إليهم بأن يحكموا فيها بآرائهم وقياساتهم واستحساناتهم ، والظاهر أن نفي الجبر رد على الجبرية بل الأشاعرة أيضا كما عرفت ، والتفويض رد على المعتزلة فإنهم أفرطوا من الجانب الآخر أيضا فذهبوا إلى أنه تعالى لا مدخلية له في أعمال العباد أصلا سوى خلق الآلات والتمكين والإقدار ، حتى إن بعضهم قال إن اللّه لا يقدر على غير مقدور العبد ، وبعضهم قال لا يقدر على مثله ، أيضا فهم عزلوا اللّه عن سلطانه وكأنهم أخرجوا اللّه عن ملكه وأشركوا من حيث لا يعلمون .