وأيضا لو جاز منه تعالى أن يخلق في العبد الكفر والضلال ، مع أنه تعالى زينه في قلوبنا لجاز أن يكون بعض الملل المخالفة للإسلام هو الحق ، وأيضا يلزمهم إلحاق اللّه تعالى بالسفهاء والجهال تعالى اللّه عما يقولون ، لأن من جملة أفعال العباد الشرك باللّه ووصفه بالأضداد والأنداد والصاحبة والأولاد وشتمه وسبه ، فلو كان اللّه تعالى فاعلا لأفعال العباد لكان فاعلا للأفعال كلها ، ولكل هذه الأمور وذلك يبطل حكمته تعالى ، لأن الحكيم لا يشتم نفسه ، وفي نفي الحكمة إلحاقه بضدها نعوذ باللّه من هذه المقالات الفاسدة والمذاهب الكاسدة ، التي يشهد ببطلانها الوجدان والعيان فضلا عن البرهان ، وتضحك منها الإنس والجان واستقصاء ما يلزمهم من المفاسد وأنواع الكفر يفضي إلى التطويل وفيما ذكر كفاية واللّه الهادي إلى سواء السبيل .
2 - عرض شبهات الأشاعرة :
والأشاعرة احتجوا على مقالتهم بوجهين ويلزمهم بهما مخالفة ضرورة الدين :
أحدهما : أنه لو كان العبد فاعلا لشيء ما بالقدرة والاختيار ، فإما أن يتمكن من تركه أو لا ، والثاني يلزم منه الجبر ، لأن الفاعل الذي لا يتمكن من ترك ما يفعله موجب لا مختار ، كما يصدر عن النار الإحراق ولا يتمكن من تركه ، والأول إما أن يترجح الفعل على الترك حالة الإيجاد أو لا ، والثاني يلزم منه ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر ، لا لمرجح لأنهما لما استويا من كل وجه بالنسبة إلى ما فعل في نفس الأمر وبالنسبة إلى القادر الموجد ، كان ترجيح القادر للفعل على الترك ترجيحا للمساوي بغير مرجح وأن ترجح ، فإن لم ينته إلى الوجوب أمكن حصول المرجوح مع تحقق الرجحان ، وهو محال أما أولا فلامتناع وقوعه حالة التساوي فحالة المرجوحية أولا ، وأما ثانيا فلأنه مع قيد الرجحان يمكن وقوع المرجوح فلنفرضه واقعا في وقت والراجح في آخر ، فترجيح أحد الوقتين بأحد الأمرين لا بد له من مرجح غير المرجح الأول ، وإلا لزم ترجيح أحد المتساويين بغير مرجح ، وينتهي إلى الوجوب وإلا تسلسل ، وإذا امتنع وقوع الأثر إلا مع الوجوب والواجب غير مقدور ، ونقيضه ممتنع غير مقدور أيضا ، فيلزم الجبر والإيجاب فلا يكون العبد مختارا .
ثانيهما : إن كل ما يقع فإن اللّه تعالى قد علم وقوعه قبل وقوعه ، وكلما لم يقع فإن اللّه تعالى قد علم في الأزل عدم وقوعه ، وما علم اللّه تعالى وقوعه فهو واجب الوقوع ، وإلا