تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حق اليقين في معرفة أصول الدين — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
الثاني : مكابرة الضرورة ، فإن العاقل يفرق بالضرورة بين ما يقدر عليه ، كالحركة يمنة ويسرة والبطش باليد اختيارا ، وبين الحركة الاضطرارية كالوقوع من شاهق وحركة المرتعش وحركة النبض . الثالث : إنكار الحكم الضروري من حسن مدح المحسن وقبح ذمه ، فإن كل عاقل يحكم بحسن مدح من يفعل الطاعات دائما ولا يفعل شيئا من المعاصي ، ويبالغ في الإحسان إلى الناس ويبذل الخير لكل أحد ، ويعين الملهوف ويساعد الضعيف ، وانه يقبح ذمه ، وإنه لو شرع أحد في ذمه باعتبار إحسانه عده العقلاء سفيها ولامه كل واحد ، ويحكمون حكما ضروريا بقبح مدح من يبالغ في الظلم والجور والتعدي والغصب ونهب الأموال وقتل الأنفس ، ويمتنع من فعل الخير وإن قلّ ، وإن من مدحه على هذه الأفعال عد سفيها ، ويعلم ضرورة قبح المدح والذم على كونه طويلا أو قصيرا . الرابع : إنه يقبح منه تعالى حينئذ تكليف فعل الطاعات واجتناب المعاصي ، إذ كان الفاعل فينا لذلك هو اللّه تعالى على زعمهم ، ولأنه إذا خلق فينا المعصية امتنعت منا الطاعة ، وبالعكس ، ولكنا في ذلك بمنزلة الجمادات . الخامس : إنه يلزم أن يكون اللّه تعالى أظلم الظالمين ، تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا ، لأنه إذا خلق فينا المعصية ولم يكن لنا فيه أثر ، ثم عذبنا عليها وعاقبنا على صدورها منه تعالى ، كان ذلك نهاية الجور والعدوان . السادس : إنه يلزم مخالفة الكتاب العزيز ونصوصه ، والآيات المتظافرة فيه الدالة على إسناد الأفعال إلينا ، كالآيات الدال على إضافة الفعل إلى العبد :
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا
« 1 » .
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ
« 2 » .
إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ
ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ
« 3 » .
بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً
« 4 » .
فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ
مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ
كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ
ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي
« 5 » .
هامش
( 1 ) سورة مريم ؛ الآية : 37 . ( 2 ) سورة البقرة ؛ الآية : 79 . ( 3 ) سورة الأنفال ؛ الآية : 53 . ( 4 ) سورة يوسف ؛ الآية : 18 . ( 5 ) سورة إبراهيم ؛ الآية : 22 .