تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حق اليقين في معرفة أصول الدين — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠
وشره ، وأن أفعال العباد واقعة بقضاء اللّه وقدره ، فلا بد من معرفة القضاء والقدر . فنقول إنهما يطلقان في اللغة والكتاب والسنة على معان : فورد القضاء بمعنى الخلق والاتمام كقوله تعالى :
فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ
« 1 » . أي خلقهن وأتمهن ، وبمعنى الحكم والإيجاب كقوله تعالى :
وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ
« 2 » . أي أوجب وألزم ، وبمعنى الإعلام والإخبار كقوله تعالى :
وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ
« 3 » . أي أعلمناهم وأخبرناهم . وأما القدر فقد جاء بمعنى الخلق ، كقوله تعالى :
وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها
وبمعنى الكتابة والإخبار ، كقوله تعالى :
إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْناها
« 4 » . أي كتبناها في الألواح ، وبمعنى البيان كما قيل في الآية أيضا ، وبمعنى وضع الأشياء في مواضعها من غير زيادة فيها ولا نقصان ، كما قال تعالى :
وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها
« 5 » . وجاء بمعنى التبيين لمقادير الأشياء وتفاصيلها . إذا عرفت هذا فنقول حينئذ لمن قال إن أفعال العباد وما وجد واقع بقضاء اللّه وقدره ، إن أردت أن اللّه تعالى قضى عليهم بها ، أي حكم عليهم بها وألزمها عباده وأوجبها ، وبين مقاديرها من حسنها وقبحها ، ومباحها وحظرها ، وفرضها ونفلها ، فهو صحيح لا غبار عليه قد دل عليه الكتاب والسنة ، وحكم به العقل الصحيح . وكذا إن أريد به أنه بيّنها وكتبها وعلم أنه سيفعلونها ، لأنه تعالى قد كتب ذلك أجمع في اللوح المحفوظ ، وبيّنه لملائكته ، وعلى هذا ينطبق وجوب الرضا بقضاء اللّه وقدره وإن أريد أنه قضاها وقدرها بمعنى أنه تعالى خلقها وأوجدها فباطل ، لأنه تعالى لو خلق الطاعة والمعصية لسقط اللوم عن العاصي ، ولم يستحق المطيع ثوابا على عمله ، كما يأتي توضيحه وبيانه . وأما أفعال اللّه تعالى فنقول انها كلها بقدر ، أي سابقة في علمه تعالى ، أو إنها لا تفاوت فيها ولا خلل ، وقد سبق حكمه أن تكون أفعاله على موجب الحكمة ونسق الصواب .
هامش
( 1 ) سورة فصلت ؛ الآية : 12 . ( 2 ) سورة الإسراء ؛ الآية : 23 . ( 3 ) سورة الإسراء ؛ الآية : 4 . ( 4 ) سورة النمل ؛ الآية : 57 . ( 5 ) سورة فصلت ؛ الآية : 10 .