ولا تتعجب من ذلك فإنك إذا حدثت نفسك بشيء فأنت حينئذ عليم به سميع له بصير إياه متكلم به ، بل أنت إذ تراك علم وسمع وبصر وكلام . بل وأنت في الحال معلوم ومسموع ومبصر ، وكل ما يوهم التشبيه من الصفات من الغضب والرضا والفرح والأسف ونحوها .
فبدايته التي هي الانفعال منفية عنه تعالى ، وغايته التي هي الكمال ثابتة له تعالى ، وذلك لأن صفات المخلوقات والموجودات تختلف بحسب المظاهر والمقامات ، فهي إنما تكون في كل مقام بحسبه ، فالغضب في الجسم جسماني يظهر بثوران الدم وحرارة الجلد وحمرة الوجه ، وفي النفس نفساني إدراكي يظهر بإرادة الانتقام والتشفي عن الغيظ ، وفي العقل عقلي يظهر بالحكم الشرعي بتعذيب طائفة أو خزيهم لإعلاء دين اللّه ، وهو بالنسبة إلى اللّه تعالى ما يليق بمفهومات صفاته الموجودة بوجود ذاته .
وكذلك الشهوة فإنها في النبات الميل إلى جذب الغذاء والنمو ، وفي الحيوان الميل إلى ما يوافق طبعه ويشتهيه ، وفي النفس الإنسانية الميل إلى ما يلائم الناطقة من كرائم الملكات ، وفي العقل الابتهاج بمعرفة اللّه وصفاته وأسمائه وأفعاله مما يعرف في اللّه سبحانه كون ذاته مبدأ الخيرات وغايتها وخلقه الخلق لكي يعرف ، وعلى هذا القياس سائر الصفات .
وهو سبحانه بحسب كل صفة ونعت ليس كمثله شيء في تلك الصفة ، لأن المخلوق لا يكون أبدا مثل خالقه في شيء من الأشياء لأنه محتاج وخالقه غير محتاج ، فلا حد لصفة اللّه ولا كيف لأنهما من خواص الممكن . ويمكن توجيه آخر للصفات التي توهم التشبيه وهو أنها ترجع إلى خواص أوليائه وأمنائه ، فإن أولياء اللّه لما قويت ذواتهم وكملت صفاتهم وانشرحت صدورهم لم يحتجبوا بالخلق عن الحق ، فكلما يصدر من الأفعال والأعمال والمجاهدات والمخاصمات كان للّه وباللّه ومن اللّه وإلى اللّه وفي اللّه ، فإن غضب كان غضبه للّه ، وإن أغضب فكذلك ، وإن رضي أو أرضى فكذلك ، وهكذا في جميع ما يفعل أو ينفعل فيصح نسبة صفاته وأفعاله إلى اللّه تعالى .
كما ورد في الحديث القدسي الصحيح المتفق عليه بين الفريقين المروي في الكافي وغيره ( لا يزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ) وروى الصدوق في كتاب التوحيد باسناده عن الصادق عليه السّلام في قوله عز وجل :
فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ
.
قال إن اللّه سبحانه لا يأسف كأسفنا ولكنه خلق أولياء لنفسه يأسفون ويرضون وهم