زبانيتين أي قرنين فإنهما كمالها ، وتتصور أن عدمهما نقصان لمن لا يكونان له ، ولعل حال كثير من العقلاء كذلك فيما يصفون اللّه تعالى به سبحان ربك رب العزة عما يصفون ، ولذا ورد النهي عن وصفه تعالى بغير ما وصف به نفسه .
4 - ما يطلق على اللّه تعالى وعلى غيره من الصفات :
اعلم أن كل ما تطلق عليه سبحانه وعلى غيره فإنما تطلق عليهما بمعنيين مختلفين ليسا في درجة واحدة ، حتى إن الوجود الذي هو أعم الأشياء اشتراكا لا يشمله وغيره على نهج واحد ، بل كل ما سواه فإنما هو موجود به ، إن اللّه يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده ، وهكذا في سائر صفاته كالعلم والقدرة والإرادة والمحبة والرحمة والغضب والجبار وغيرها ، فكل ذلك لا يشبه فيه الخالق الخلق بل هو في حق الخلق يصحبه نقص وشين بخلافه في حق الخالق فإنه مقدس عن القصورات والنقائص ، وإنما تطلق بعض الصفات كالرحمن الرحيم والعطوف ونحوها في حقه تعالى باعتبار غاياتها التي هي الكمالات دون مباديها التي هي النقائص ، وواضع اللغات وضع هذه الأسامي أولا للخلق لأنها أسبق إلى العقول والإفهام ، وفهم معانيها في حقه تعالى عسر جدا وبيانها أعسر منه بل كلما قيل في تقريبها إلى الإفهام فهو تبعيد له من وجه كما تقدم في كلام أمير المؤمنين عليه السّلام إن قيل كان فعلى تأويل أزلية الوجود ، وإن قيل لم يزل فعلى تأويل نفي العدم .
وعن هشام بن الحكم عن الصادق عليه السّلام أنه قال للزنديق حين سأله ما هو قال : هو شيء بخلاف الأشياء ارجع بقولي إلى إثبات معنى وإنه شيء بحقيقة الشيئية غير أنه لا جسم ولا صورة ولا يحس ولا يجس ولا يدرك بالحواس الخمس لا تدركه الأوهام ولا تنقصه الدهور ولا تغيره الأزمان . فقال له السائل فنقول إنه سميع بصير . قال : هو سميع بصير ، سميع بغير جارحة ، وبصير بغير آلة ، بل يسمع بنفسه ويبصر بنفسه ، وليس قولي إنه سميع يسمع بنفسه ويبصر بنفسه أنه شيء والنفس شيء آخر ، ولكن أردت عبارة عن نفسي إذ كنت مسؤولا وإفهاما لك إذ كنت سائلا فأقول سميع بكله لا أن الكل منه له بعض ، ولكني أردت افهامك والتعبير عن نفسي وليس مرجعي إلى كل ذلك إلا إلى أنه السميع البصير العليم الخبير بلا اختلاف الذات ولا اختلاف المعنى . وقد عرفت أن صفاته تعالى ذاته تعالى ، فهو كما قيل وجود كله ، وجوب كله ، علم كله ، حياة كله ، لا أن شيئا منه علم وشيئا آخر قدرة ليلزم التركب في ذاته ، ولا أن شيئا منه علم وشيئا آخر قدرة ليلزم التكثر في صفاته ،