وأجيب تارة بأنا لا نسلم بقاء التصديق لفاعل ذلك ، ولو سلمنا بقاءه حالة وقوع ذلك لكن يجوز أن يكون الشارع جعل وقوع شيء من ذلك علامة وأمارة على تكذيب فاعل ذلك وعدم تصديقه ، فيحكم بكفره عند صدور ذلك منه . وهذا كما جعل الإقرار باللسان علامة على الحكم بالإيمان مع أنه قد يكون كافرا في نفس الأمر ، وتارة بأنه يجوز ان يكون الشارع حكم بكفره ظاهرا عند صدور شيء من ذلك حسما لمادة جرأة المكلفين على انتهاك حرماته وتعدي حدوده ، وإن كان التصديق في نفس الأمر حاصلا وغاية ما يلزم من ذلك جواز الحكم بكون شخص واحد مؤمنا وكافرا ، وهذا لا محذور فيه لأنا نحكم بكفره ظاهرا وإمكان إيمانه باطنا ، فالموضوع مختلف فلم يتحقق اجتماع المتقابلين ليكون محالا . ونظير ذلك ما ذكرناه من دلالة الإقرار على الإيمان فيحكم به مع جواز كونه كافرا في نفس الأمر . انتهى .
وأما المرتد فالمشهور بين العلماء انه قسمان فطري وملي ، والفطري من انعقدت نطفته في حال إسلام أحد أبويه ولا خلاف في كفره وعدم قبول توبته ظاهرا ، ووجوب قتله وفسخ نكاحه وإبانة امرأته منه واعتدادها عدة الوفاة ، وقسمة أمواله بين ورثته وإن لم يقتل واختلف في صحة توبته واقعا أو عدمها ، فأكثر المحققين على الأول لأنه مكلف بالإسلام ، فلو لم تصح توبته كان تكليفا بالمحال ، وحينئذ فلو لم يطلع أحد على ارتداده أو اطلع ولم يتمكن من قتله وتاب فتوبته مقبولة وعباداته ومعاملته صحيحة واقعا ، نعم يقسم ماله وتبين امرأته وقيل يجوز أن يعقد عليها بعد العدة ، وقيل في أثناء العدة أيضا ، ولا يخلو من إشكال وقيل بعدم قبول توبته واقعا أيضا وخلوده في جهنم ، لأن مثل هذا المحال هو التزمه على نفسه فقبحه يرجع إليه لا إلى مكلفه .
والمرتد الملي من تولد كافرا ثم أسلم ثم كفر ، والمشهور انه يجبر على التوبة فإن تاب قبلت توبته ظاهرا وواقعا ، وإن لم يتب قتل . واختلف في مدته فقيل ثلاثة أيام كما روي ، وقيل لا حد لذلك بل ما احتمل توبته ورجوعه جبر وضرب على ذلك ، فإن أيس من ذلك قتل ، وهذا كله بالنسبة إلى الرجال . وأما النساء فإنهن يحبسن بعد الارتداد ولو عن فطرة حبسا مؤبدا ، ويضربن أوقات الصلاة إلى أن يرجعن إلى الإسلام .
وذهب ابن الجنيد من علمائنا وأكثر العامة إلى أن المرتد قسم واحد ، فيكلف بالتوبة مليا كان أو فطريا ، فإن تاب قبلت توبته وإلا قتل . واعلم أن الأصحاب قد اتفقوا على أن إنكار أحد ضروريات الإسلام موجب للكفر ، ولكنهم لم يحصروا الضروريات بل ذكروها
حق اليقين في معرفة أصول الدين — صفحة 576
مساهمون: السيد عبد الله شبر
ص٥٧٦