من بعض الناس كاشف عن عدم الإيمان سابقا وعن نفاقهم ، وأول الآيات الدالة على ذلك بأن المراد بمن وصفهم بالإيمان الإيمان اللساني دون القلبي ، وقد وقع مثله كثيرا في القرآن كقوله تعالى :
آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ
.
وأما الأحكام التي قد وردت في الشريعة للمرتد ، ونطق بها الكتاب والسنة ، وأجمعت عليها الفرقة المحقة فغايتها الدلالة على أن من اتصف في ظاهر الشرع بالارتداد فحكمه كذا وكذا ، ولا تدل على أنه صار مرتدا بذلك في نفس الأمر ، فلعله كان كافرا في الأصل ، وحكمنا بإيمانه ظاهرا للإقرار بما يوجب الإيمان مع بقائه على كفره عند اللّه تعالى ، وبفعله ما يوجب الارتداد ظاهرا حكمنا بارتداده ، أو كان مؤمنا في الأصل وهو باق على إيمانه عند اللّه تعالى ، لكن لاقتحامه حرمات الشرع وتعديه هذه الحدود العظيمة جعل الشارع الحكم بالارتداد عليه عقوبة ليحسم بذلك مادة الاقتحام والتعدي من المكلفين فتتم نظام النواميس الإلهية .
قال الشهيد الثاني رحمه اللّه منتصرا للسيد : إن قلت يتصور زوال الإيمان بصدور بعض الأفعال الموجبة للكفر كما تقدم من السجود للأصنام وهتك حرمات اللّه ونحوها ، قلت لا نسلم إمكان صدور فعل يوجب الكفر ممن اتصف بالعلم المذكور ، بل صار ذلك الفعل ممتنعا بالغير الذي هو العلم اليقيني وان أمكن بالذات ، وحينئذ صدور بعض الأفعال المذكورة إنما كان لعدم حصول العلم المذكور ، والحق انه لا يمكن الإعراض عن ظاهر الآيات بهذه الاعتبارات العقلية والوجوه الاعتبارية والاستبعادات الوهمية ، وعلى تقدير الاكتفاء بالظن في المعارف فإمكان الزوال ظاهر ، وعلى تقدير اعتبار اليقين فزوال اليقين الحاصل من البراهين العقلية والقوانين المنطقية ممكن أيضا ، اللهم إلا أن يكون اليقين في مرتبة الكمال ، كيقين المقرّبين والصديقين فزواله محال . وصدور تلك الأفعال الموجبة للخروج من الدين أيضا محال ، وأما ما عدى ذلك فيمكن زواله لا سيما إذا قيل بأن الأعمال جزء من الإيمان ، وان الزنا والسرقة ونحوهما توجب الخروج من الإيمان ، كما تقدم كثير من الأخبار الدالة على ذلك ، وبالجملة فالحق التفصيل في ذلك بالنسبة إلى مراتب الإيمان وبذلك تلتئم الآيات والأخبار .
ففي الكافي عن الحسين بن الحكم قال : كتبت إلى العبد الصالح أخبره أني شاك ، وقد قال إبراهيم
رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى
وإني أحب أن تريني شيئا . فكتب عليه السّلام إليه : إن إبراهيم كان مؤمنا وأحب أن يزداد إيمانا ، وأنت شاك والشاك لا خير فيه .