تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حق اليقين في معرفة أصول الدين — صفحة 575

مساهمون:

ص٥٧٥
كفرا بجحود ، ثم بعث اللّه عز وجل الرسل يدعون العباد إلى الإيمان به ، فمنهم من هدى اللّه ومنهم من لم يهده اللّه ولعل المراد بالفطرة قابلية الإيمان والكفر ، ويكون حاصل الجواب ان العباد مع تفاوتهم لهم قابلية الكفر والإيمان ، ولم يجبر أحدا منهم على الكفر لا بحسب الخلقة ولا بحسب التقصير في الهداية ، لأنهم بسوء اختيارهم وأعمالهم وأخلاقهم لم يستحقوا الهدايات الخاصة والتوفيقات ، وهذا أحد معاني الأمر بين الأمرين . وعن الصادق عليه السّلام قال : ان الحسرة والندامة والويل كله لمن لم ينتفع بما أبصره ، ولم يدر ما الأمر الذي هو عليه مقيم أنفع له أم ضر . قلت فبم يعرف الناجي من هؤلاء جعلت فداك ، قال من كان فعله لقوله موافقا فأثبت له الشهادة بالنجاة ، ومن لم يكن فعله لقوله موافقا فإنما ذلك مستودع ، وقد ورد في أخبار كثيرة الاستعاذة من مضلات الفتن ، والحق ان الإيمان الكامل البالغ إلى مرتبة عين اليقين كإيمان الأنبياء والأوصياء وكمل المؤمنين العارفين يمتنع زواله عادة ، ولكن بلوغ الإيمان إلى هذه الدرجة في غاية الندرة ، وتكليف عامة الناس بذلك يلزم منه العسر والحرج المنفيان عقلا ونقلا ، آية ورواية ، بل لعله يلزم منه تكليف ما لا يطاق . وأما على ما ذهب إليه جماعة من محققي المتأخرين من الاكتفاء بالظن القوي وما تطمئن به النفس في الإيمان فزوال ذلك ممكن ، وقد عرفت ان درجات الإيمان متفاوتة فيمكن أن يزول بعضه بالشك ، وبعضه بالإنكار ، وبعضه معار ويمكن أن يزول بعضه بالقول ، وبعضه بالفعل ، وبعضه بالاعتقاد .

7 - حقيقة الكفر والارتداد :

قال الشهيد الثاني رحمه اللّه : عرّف الكفر جماعة بأنه عدم الإيمان عما من شأنه أن يكون مؤمنا ، سواء كان ذلك العدم بضد أو لا بضد . فبالضد كأن يعتقد عدم أحد الأصول التي بمعرفتها يتحقق الإيمان ، أو عدم شيء منها ، أو بغير الضد كالخالي من الاعتقاد به ، أي اعتقاد ، ما به يتحقق الاعتقاد واعتقاد عدمه وذلك كالشاكّ أو الخالي بالكلية كالذي لم يقرع سمعه شيء من الأمور التي يتحقق الإيمان بها ، ويمكن إدخال الشك في القسم الأول إذ الضد يخطر بباله وإلا لما صار شاكا ، واعترض بأن الكفر قد يتحقق مع التصديق بالأصول المعتبرة بالإيمان ، كما إذا ألقى إنسان المصحف في القاذورات عامدا أو وطأه كذلك ، أو عدم الإقرار باللسان جحدا ، وحينئذ فينتقض حد الإيمان منعا وحد الكفر جمعا .