التقليد فيها أيضا ، فينسد باب المعرفة باللّه تعالى . ومن يرجع إليه في التقليد لا بد وأن يكون عالما بالمسائل الأصولية ليصح تقليده ، ثم يجري الدليل فيه فيقال علم هذا الشخص باللّه تعالى غير ممكن ، لأنه حين كلف به إن لم يكن عالما به تعالى استحال أن يكون عالما بأمره إلى آخر المقدمات ، ولا مخلص لهم إلا أن يعترفوا ان وجوب المعرفة عقلي فيبطل ما ادعوه من أن العلم باللّه تعالى غير ممكن ، أو سمعي فكذلك . وقيل إنه لا يجب على عامة الناس معرفة أصول الدين بالدلائل التفصيلية وترتيب الأشكال المنطقية ، وإنما يجب ذلك كفاية لدفع شبه الكفار والمعاندين ، وهذا هو الظاهر من سيرة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم والأئمة مع سائر الناس ، وأكثر الخلق كانوا بهذه الصفة ، ولذا ورد عليكم بدين العجائز وبدين الأعرابي ، حيث قال البعرة تدل على البعير ، وأثر الأقدام على المسير ، أفسماء ذات أبراج ، وأرض ذات فجاج ، لا يدلان على اللطيف الخبير . ولذا ترى ان من اكتفوا بالدلائل الإجمالية ، ولم يعرفوا الدور والتسلسل ولا اصطلاحات المتكلمين والمنطقيين أكمل إيمانا وأثبت جنانا وأشد اعتقادا ممن يخوض في ذلك .
6 - هل يمكن كفر المؤمن أم لا :
قد اختلف المتكلمون من العامة والخاصة في أن المؤمن بعد اتصافه بالإيمان الحقيقي في نفس الأمر هل يمكن أن يكفر أم لا . فالأكثر على إمكان ذلك ووقوعه لقوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً
« 1 » . وقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ
« 2 » . وقوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ
« 3 » . وقوله تعالى :
مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ
« 4 » . وقوله تعالى :
وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَ فَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ
« 5 » . والآيات في ذلك كثيرة ، وذهب جماعة إلى عدم جواز زوال الإيمان الحقيقي بضد أو غيره ونسب ذلك إلى السيد المرتضى رحمه اللّه وجماعة ، لأن ثواب الإيمان دائم ، وعقاب الكفر دائم ، والاحباط والموافاة عنده باطلان ، وان الارتداد الواقع
هامش
( 1 ) سورة النساء ؛ الآية : 137 .
( 2 ) سورة آل عمران ؛ الآية : 100 .
( 3 ) سورة محمد ؛ الآية : 25 .
( 4 ) سورة البقرة ؛ الآية : 217 .
( 5 ) سورة آل عمران ؛ الآية : 144 .