والكلام يرجعان إلى القدرة وما سواهما إلى العلم ، بل يمكن رد الجميع إلى وجوب الوجود . ثم قال ولا حرج في اختلاف العبارات في تعداد هذه الصفات ، فإن الغرض منها تقريب معرفة الواحد تعالى إلى أفهام أهل التوحيد .
الثاني : التصديق بعدله ، أي بأنه عادل . والتصديق بحكمته ، أي بأنه حكيم والمراد بالعدل المنسوب إليه تعالى بحيث صار باعتباره عادلا ما قابل الظلم والجور ، وبكونه عدلا أنه لا يفعل القبيح ولا يخل بالواجب الذي أوجبه على نفسه من الالطاف الخفية الراجعة إلى بريته ، ويترتب على ذلك اعتقاد انه لا يرضى بالقبيح ؛ فما يصدر عنا من القبائح ، مستند إلى قدرتنا واختيارنا وإيجادنا الفعل بهما مع إرادتنا . وإن كانت القدرة من فعل اللّه تعالى فإنها آلة ، وفاعل الآلة ليس فاعلا لما يصدر بواسطتها ، ويتفرع على عدم اخلاله بالواجب تكليف المكلفين ، وإثابة المطيعين ، وإرسال الرسل ، وإنزال الكتب مبشرين ومنذرين ، وأما الحكمة فتطلق على ترك القبيح الذي هو الاخلال بالواجب ، وعلى العلم بحقائق الأمور ، وعلى معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم . والمراد بالحكمة في باب العدل المعنى الأول ، فهي داخلة فيه وذكرها في مقابلة العدل حيث يقال عدله وحكمته إما لتجريد العدل عن معنى ترك القبيح لترادفهما ولتلازمهما ، أو بالمعنى الثاني وهي داخلة في العلم بالمعنى الثالث .
الثالث : التصديق بنبوة محمد المصطفى صلّى اللّه عليه وآله وسلم وبجميع ما جاء به تفصيلا في ما علم تفصيلا ، وإجمالا فيما علم إجمالا ، وليس بعيدا أن يكون التصديق الإجمالي بجميع ما جاء به كافيا في تحقق الإيمان ، وإن كان المكلف قادرا على العلم بذلك تفصيلا ، ويجب العلم بتفاصيل ما جاء به من الشرائع للعمل به ، وأما تفصيل ما أخبر به من أحوال المبدأ والمعاد ، كالتكليف بالعبادات ، والسؤال في القبر وعذابه ، والمعاد الجسماني .
والحساب والصراط ، والجنة والنار ، والميزان وتطاير الكتب ، مما ثبت مجيئه صلّى اللّه عليه وآله وسلم به متواترا ، فهل التصديق بتفاصيله معتبر في تحقق الإيمان . صرح باعتباره جمع من العلماء ، والظاهر أن التصديق به إجمالا كاف ، بمعنى ان المكلف لو اعتقد حقية كل ما جاء به صلّى اللّه عليه وآله وسلم بحيث كلما ثبت عنده جزئي منها صدّق به تفصيلا كان مؤمنا ، وإن لم يطلع على تفصيل تلك الجزئيات بعد . ويؤيد ذلك ان أكثر الناس في الصدر الأول لم يكونوا عالمين بهذه التفاصيل في الأول ، بل كانوا يطلعون عليها وقتا فوقتا مع الحكم في كل وقت من حين التصديق بالوحدانية والرسالة ، بل هذا حال أكثر الناس في جميع الأعصار كما هو المشاهد ، فلو اعتبرناه لزم خروج أكثر أهل الإيمان عنه ، وهو بعيد عن حكمة العزيز
حق اليقين في معرفة أصول الدين — صفحة 567
مساهمون: السيد عبد الله شبر
ص٥٦٧