تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حق اليقين في معرفة أصول الدين — صفحة 558

مساهمون:

ص٥٥٨
فتعتبر فيه الطاعات لما لا يجوز ان يكون الإيمان شرطا للإسلام أو جزء منه أو بالعكس ، وشرط الشيء وجزؤه يقبل مع كونه غيره ولا يلزم من ذلك ان يكون الإيمان هو الدين بل شرطه أو جزؤه ، على أنا لو قطعنا النظر عن جميع ذلك فالآية الكريمة إنما تدل على أن من ابتغى وطلب غير دين الإسلام دينا فلن يقبل منه ذلك المطلوب ، ولم تدل على أن من صدق بما أوجبه الشارع عليه لكنه ترك فعل بعض الطاعات غير مستحل انه طالب لغير دين الإسلام ، إذ ترك الفعل يجتمع مع طلبه لعدم المنافاة بينهما ، فإن الشخص قد يكون طالبا للطاعة مريدا لها لكنه تركها إهمالا وتقصيرا ولا يخرج بذلك عن ابتغائها ، واستدلوا أيضا بقوله تعالى :
وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ
أي صلواتكم إلى بيت المقدس . وأجيب بأنه يجوز أن يكون المراد تصديقكم بتلك الصلاة على أن الصلاة جزء من الطاعات ، وهم يزعمون أن الإيمان جميع الطاعات أو عبارة عن جميع أفعال الجوارح من الواجبات وترك المحظورات دون النوافل ، وهو مذهب أبي علي الجبائي وأبيه أبي هاشم وأكثر معتزلة البصرة ، وقد يستدل لهم بقوله تعالى :
إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ
ولا تتحقق التقوى إلا بفعل المأمور به وترك المنهي عنه ، فلا يكون التصديق مقبولا ما لم تحصل التقوى ، وبما روي أن الزاني لا يزني وهو مؤمن ، وبقوله عليه السّلام : لا إيمان لمن لا أمانة له ، وبقوله تعالى :
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ
« 1 » . وأجيب عن الأول بأنه لعل المراد أن الأعمال البدنية لا تقبل إلا بالتقوى ، والمراد أن من عمل عملا إنما يكون مقبولا ، إذا كان متقيا فيه بأن يكون مخلصا على أنها أخص من المدعى الذي هو جميع الواجبات . وعن الثاني والثالث بأنه محمول على المبالغة أو يخصص بالمستحل لدلائل أخر ، وأما الآية فمعارضة بقوله تعالى :
وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
« 2 » . والفاسق مؤمن على الأقوى ، أو بين المنزلتين ، أو ان المعنى ومن لم يحكم بما أنزل اللّه عمدا مع علمه فهو كافر ، أو المراد بالكفر أحد معانيه الآتية ، إذ قد يطلق على ترك الفريضة مطلقا . وان كان الثالث وهو كونه من أفعال القلوب والجوارح معا ، فهو إما أن يكون عبارة عن أفعال القلوب مع جميع أفعال الجوارح من الطاعات ، وهو قول المحدثين وجملة من العامة كابن مجاهد وغيره ، حيث قالوا إن الإيمان تصديق بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان . وإلى هذا القول ذهب الشيخ
هامش
( 1 ) سورة المائدة ؛ الآية : 44 . ( 2 ) سورة المائدة ؛ الآية : 47 .
حق اليقين في معرفة أصول الدين — صفحة 558 | السيد عبد الله شبر