أي عدو اللّه لقد رزقك اللّه طيّبا فاخترت ما حرم عليك من رزقه مكان ما أحل اللّه لك من حلاله ، أما انك لو قلت بعد هذه المقالة ضربتك ضربا وجيعا .
والمعتزلة يطعنون في سند الحديث تارة ، ويؤولونه على تقدير سلامته أخرى ، بأن سياق الكلام يقتضي أن يقال فاخترت ما حرم اللّه عليك من حرامه مكان ما أحل لك من حلاله ، وإنما قال صلّى اللّه عليه وآله وسلم من رزقه مكان من حرامه فأطلق على الحرام اسم الرزق بمشاكلة قوله فلا أراني أرزق ، وقوله صلّى اللّه عليه وآله وسلم لقد رزقك اللّه . وتمسك المعتزلة أيضا بقوله تعالى :
وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ
« 1 » . قال الشيخ في التبيان ما حاصله : إن هذه الآية تدل على أن الحرام ليس رزقا ، لأنه سبحانه مدحهم بالإنفاق من الرزق ، والانفاق من الحرام لا يوجب المدح . وقد يقال إن تقديم الظرف يفيد الحصر ، وهو يقتضي كون المال المنفق على ضربين ، ما رزقه اللّه وما لم يرزقه ، وإن المدح إنما هو على الإنفاق مما رزقهم وهو الحلال ، لا مما سولت لهم أنفسهم من الحرام ، ولو كان كلما ينفقونه رزقا من اللّه سبحانه لم يستقم الحصر فتأمل . انتهى .
قال بعض المحققين « 2 » : إن كان المراد بقولهم رزقهم اللّه الحرام أنه خلقه ومكنهم من التصرف فيه فلا نزاع في أن اللّه رزقهم بهذا المعنى ، وإن كان المعنى أنه المؤثر في أفعالهم وتصرفاتهم في الحرام ، فهذا إنما يستقيم على أصلهم الذي ثبت بطلانه ، وإن كان الرزق بمعنى التمكين وعدم المنع من التصرف فيه بوجه فظاهر أن الحرام ليس برزق بهذا المعنى على مذهب من المذاهب وإن كان المعنى انه قدر تصرفهم فيه بإحدى المعاني للقضاء والقدر ، أو خذلهم ولم يصرفهم جبرا عن ذلك ، فبهذا المعنى يصدق انه رزقهم الحرام . واما ظواهر الآيات والأخبار الواردة في ذلك فلا يريب عاقل في أنها منصرفة إلى الحلال ، واعلم أنه لا يجوز للإنسان أن يترك السعي والطلب قائلا إن الرزق مقسوم ، فلا بد أن يأتي فلا يحتاج إلى السعي لأن اللّه تعالى قد أمر بالطلب ونهى عن تركه ، بل ينبغي للإنسان الإجمال في الطلب وأن لا يتكل على طلبه بل على ربه ، إذ لعل اللّه يرزقه من حيث لا يحتسب ، كما أن اللّه تعالى قد أمر بالطاعات والعبادات ونهى عن الاتكال والاعتماد عليها .
هامش
( 1 ) سورة البقرة ؛ الآية : 3 .
( 2 ) هو المجلسي ( قدّس سرّه ) .