التمادي بعض الرجوع ، فقالا إن المعاصي إنما تحبط الطاعات إذا وردت عليها ، وإن وردت الطاعات أحبطت المعاصي ، ثم ليس النظر إلى اعداد الطاعات والمعاصي ، بل إلى مقادير الأوزار والأجور ، فرب كبيرة يغلب وزرها أجر طاعات كثيرة ولا سبيل إلى ضبط ذلك ، بل هو مفوض إلى علم اللّه تعالى . ثم افترقا فزعم أبو علي أن الأقل يسقط من الأكثر شيئا ، ويكون سقوط الأقل عقابا إذا كان الساقط ثوابا ، وثوابا إذا كان الساقط عقابا ، وهذا هو الإحباط المحض . وقال أبو هاشم الأقل يسقط ويسقط من الأكثر ما يقابله ، مثلا من له مائة جزء من العقاب واكتسب ألف جزء من الثواب فإنه يسقط منه العقاب ومائة جزء من الثواب بمقابلته ، وتبقى له تسعمائة جزء من الثواب ، وكذا العكس ، وهذا هو القول بالموازنة . انتهى كلامه .
وقال العلامة المحدث المجلسي رحمه اللّه في البحار : أقول الحق أنه لا يمكن انكار سقوط ثواب الإيمان بالكفر اللاحق الذي يموت عليه ، وكذا سقوط عقاب الكفر بالإيمان اللاحق الذي يموت عليه ، وقد دلت الأخبار الكثيرة على أن كثيرا من المعاصي توجب سقوط ثواب كثير من الطاعات ، وأن كثيرا من الطاعات كفارة لكثير من السيئات ، والأخبار في ذلك متواترة . وقد دلت الآيات على أن الحسنات يذهبن السيئات ، ولم يقم دليل تام على بطلان ذلك . وأما أن ذلك عام في جميع الطاعات والمعاصي فغير معلوم ، وأما أن ذلك على سبيل الإحباط والتكفير بعد ثبوت الثواب والعقاب ، أو على سبيل الاشتراط بأن الثواب في علمه تعالى على ذلك العمل مشروط بعدم وقوع ذلك الفسق بعده ، وأن العقاب على تلك المعصية مشروط بعدم وقوع تلك الطاعة بعده ، فلا يثبت أولا ثواب وعقاب ، فلا يهمنا تحقيق ذلك بل يرجع النزاع في الحقيقة إلى اللفظ ، لكن الظاهر من كلام المعتزلة وأكثر الإمامية انهم لا يعتقدون إسقاط الطاعة شيئا من العقاب ، أو المعصية شيئا من الثواب سوى الإسلام والارتداد والتوبة . وأما الدلائل التي ذكروها لذلك فلا يخفى وهنها انتهى كلامه .
وقال المحدث الحر في الفصول المهمة بعد جعل العنوان هكذا باب أن الإحباط والتكفير يقعان بسبب المعصية والطاعة لكنهما غير واجبين ولا عامين إلا بسبب الكفر والإيمان . ثم ذكر رواية الجعفري وزرارة وأبي حمزة الآتية ، ثم قال الآيات والروايات في ثبوت الاحباط والتكفير كثيرة لا تحصى ، والآيات والروايات المعارضة لها أيضا كثيرة جدا متفرقة ، والذي يظهر من مجموعها في وجه الجمع بينها هو أن الكفر الذي يموت صاحبه عليه يحبط ثواب الطاعات السابقة عليه ، والإيمان الذي يموت صاحبه عليه يكفّر عقاب
حق اليقين في معرفة أصول الدين — صفحة 550
مساهمون: السيد عبد الله شبر
ص٥٥٠