غالب ، ولن يبطئ عنك ما قدر لك .
وقال عليه السّلام : وقدّر الأرزاق فكثرها وقللها ، وقسمها على الضيق والسعة فعدل فيها ليبتلي من أراد بميسورها ومعسورها ، وليختبر بذلك الشكر والصبر من غنيها وفقيرها .
وروى المفيد في المقنعة عن الصادق عليه السّلام قال : الرزق مقسوم على ضربين أحدهما وأصل إلى صاحبه وإن لم يطلبه . والآخر معلق بطلبه فالذي قسم للعبد على كل حال آتيه وإن لم يسع له ، والذي قسم له بالسعي فينبغي له أن يلتمسه من وجوهه وما أحله اللّه له دون غيره ، فإن طلبه من جهة الحرام فوجده حسب عليه برزقه وحوسب به . والأخبار في ذلك كثيرة وظاهر الأخبار أن اللّه قدر في الصحف السماوية لكل بشر رزقا حلالا بقدر ما يكفيه بحيث إذا لم يرتكب الحرام ، وطلب من الحلال سبب له ذلك ويسره ، فإذا ارتكب الحرام فبقدر ذلك يمنع مما قدر له . وقال الشيخ البهائي رحمه اللّه في شرح الحديث الأول :
الرزق عند الأشاعرة كل ما انتفع به حي سواء كان بالتغذي أو غيره ، مباحا كان أو لا ، وخصه بعضهم بما تربى به الحيوان من الأغذية والأشربة . وعند المعتزلة هو كلما صح انتفاع الحيوان به بالتغذي أو غيره ، وليس لأحد منعه منه فليس الحرام رزقا عندهم .
وقال الأشاعرة في الرد عليهم ، لو لم يكن الحرام رزقا لم يكن المتغذي طول عمره بالحرام مرزوقا ، وليس كذلك لقوله تعالى :
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها
« 1 » . وفيه نظر ، فإن الرزق عند المعتزلة أعم من الغذاء ، وهم لم يشترطوا الانتفاع بالفعل ، فالمتغذي طول عمره بالحرام ، إنما يرد عليهم لو لم ينتفع مدة عمره بشيء انتفاعا محللا ولو بشرب الماء والتنفس في الهواء ، بل ولا يمكن من الانتفاع بذلك أصلا وظاهر أن هذا مما لم يوجد ، وأيضا فلهم أن يقولوا لو مات حيوان قبل أن يتناول شيئا محللا ولا محرما يلزم أن يكون غير مرزوق ، فما هو جوابكم . فهو جوابنا هذا ، ولا يخفى أن الأحاديث المنقولة في هذا الباب متخالفة ، والمعتزلة تمسكوا بهذا الحديث وهو صريح في مدعاهم غير قابل للتأويل .
والأشاعرة تمسكوا بما رووه عن صفوان بن أمية قال : كنا عند رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم إذ جاء عمر بن قرة فقال يا رسول اللّه إن اللّه كتب عليّ الشقوة ، فلا أراني أرزق إلا من رقى بكفي ، فائذن لي في الغناء من غير فاحشة . فقال صلّى اللّه عليه وآله وسلم لا آذن لك ولا كرامة ولا نعمة ،
هامش
( 1 ) سورة هود ؛ الآية : 6 .